حين تنزف مليونية العودة على أبواب الأقصى وتواصل ضريبة الدم اندفاعتها القصوى إلى ساحة الشرف..لا نملك فقط حق نعي الشهداء.. بل نملك كل الحق في مساءلة الذات العربية عن سر انشدادها إلى هذا الانشطار المفزع بين نصف ثابت على شجرة الانتماء ونصف معدل على توقيت واشنطن.. والشهداء يتدفقون تباعاً لابد من أن نسأل من هم سفراء القدس إلى كل الدنيا قبل أن نسأل عن سفارة ترامب لدى الكيان المحتل.
هل يحق لمن أزهق روح القضية في بيت الطاعة الأمريكي أن يرثي شهداء القدس، هل يحق لمن أغرق جوانب القضية برصاص الغدر الموجه إلى قلب سورية ولبنان أن يرثي شهداء القدس، هل يحق لمن زرع الكوليرا في اليمن أن يزرع الورد على قبور الشهداء؟.
كم يُخجلنا هذا النصف الهارب من نخوة الهوية السيادية إلى قاع المهانة الاستراتيجية لولا يقين ساطع بأن للقدس سفراء بالعربية الفصحى..سفراء من حيث الأصل؟
في طليعة سفراء القدس أجساد نقيّة هانت على أصحابها طلباً لحرية سينعم بها الأحفاد..
في طليعة سفراء القدس انتصارات سورية نزلت كالصواعق على جيش الصهاينة ولم تكن يوماً لتستبيح دم الأشقاء كما فعل السفهاء منا..
للقدس سفراء حولوا جنوب لبنان إلى منصة فخر على جبين شمال فلسطين..
للقدس سفراء من فقراء القرى والمدن العربية لم يبخلوا بالروح منذ نادت القدس في 1948..
للقدس سفراء لا يعترفون بمحصول البروتوكول السقيم للقمم العربية الرسمية..
للقدس شهداء مليونية العودة وكل المليونيات التي ستأتي.. وللآخرين بمن فيهم النصف الكسيح من الذات العربية شهادة استحقاق مختومة بحبر الهوان.
سفراء القدس بالعربية الفصحى هم الحاملون في طوايا أنفسهم ذلك القسم الذي لم يخفت ولم يكف عن الصراخ في وجه عالم لا قلب له.. ستظل تخفق راية العودة.. وهل بوسع انتشاءة ترامب العابرة أن تنسينا وتنسي الدنيا أن القدس عربية الاسم والجسم واللسان..
سفراء القدس بالعربية الفصحى هم الذين أعادوا رسم الخريطة بريشة توازن الرعب وأزهقوا روح الأحادية القطبية في قلب الشرق الأوسط واستصدروا شهادة وفاة الربيع العبري..
سفراء القدس بالعربية الفصحى هم الذين طهروا حلب والغوطة وغيرهما من فحيح المرتزقة «الدواعش»..
سفراء القدس يخطون الآن في قلب نزيف الجسد والروح لحظة الانبعاث الجديد للأمة والإنسان ويدفعون بيد مضرجة ضريبة الدم.. ويعرفون.. يعرفون أن رابطاً قوياً يمتد بين دم سوري أريق في ساحة الحرب ضد التكفيريين ودم فلسطيني أريق في ساحة الحرب ضد الصهاينة ودم لبناني تونسي مصري جزائري يمني لم يتوقف يوماً عن التدفق لتحيا فلسطين..
سفراء القدس من دم ولحم هم أبقى من بناية يحرسها الجنود الصهاينة وتحيط بها رادارات شرطي العالم المهزوم كما يجب أن تكون الهزيمة أمام قلعة الشام..
سفراء فلسطين يعرفون معنى صواريخ العز التي توجهت حيث يجب أن تتوجه إلى مواقع العدو وليس إلى ديار الشقيق..
سفراء القدس باللغة العربية الفصحى هم القابضون على الجمر.. البارّون بالقسم.. ستظل تخفق راية العودة.
لنا بعض الحق في رثاء أرواح عزيزة.. لكن لنا كل الحق في استنبات روح جديدة لمواصلة المعركة.. فيا أيها السفراء الساكنون خارج الحاجز الاسمنتي المسلح لإمبراطورية الكاوبوي المهزوم.. أيها الذين لا يعترفون بالقدس إلا عاصمة لفلسطين.. فلتجعلوا من المحنة فضاء منتجاً تختمر فيه ملحمة الخلاص.