خبر عاجل

"السؤال ليس هل سنصبح متطرفين أم لا، السؤال هو أي نوع من المتطرفين سوف نصبح؟

"السؤال ليس هل سنصبح متطرفين أم لا، السؤال هو أي نوع من المتطرفين سوف نصبح؟

نشر الثلاثاء 10 يوليو, 2018 في تمام الساعة 09:47

 

 

"السؤال ليس هل سنصبح متطرفين أم لا، السؤال هو أي نوع من المتطرفين سوف نصبح؟

 

بقلم: د.حنا عيسى  - أستاذ القانون الدولي

 

اتخذ ظهور التعصب والتطرف في المجتمعات العربية طابع التطرف الأيديولوجي من جهة أو التطرف الطائفي أو الإثني من جهة أخرى، وهما يشتركان في تهديد الإستقرار المجتمعي وفي خلق حالة من الصراع بين مكوناته وجعل الوطن على سعته يضيق ذرعا بمواطنيه.

 

وقد صار من الواضح أن الحركات الدينية المتطرفة تستغل نزعة التدين الفطرية النقية استغلالا سياسيا، بمعنى أنها توظف المقدس الديني لإضفاء الشرعية على خطابها السياسي الذي يكفّر الآخرين أو يخوّنهم.

 

والحق أن حركات التطرف تمارس قدراً من الخداع والتمويه، فهي تكون مع مسألة بعينها هنا وتكون ضدها في مكان آخر، وتخلط المطلق بالنسبي للوصول إلى سدّة الحكم ولا تقبل من الديمقراطية إلا بصندوق الإنتخاب فهي لا ترضى بالفكر الديمقراطي وأصوله الفلسفية.

 

إن المواطن العربي المتدين- بصرف النظر عن الدين الذي ينتمي إليه- لم يشكل تهديداً للنسيج المجتمعي، فالتدين الصادق منتج للقيم المدافعة عن الفضيلة وهو مصدر من مصادر التسامح، لكن الخطر على استقرار المجتمعات بدأ يتشكل عند بروز الحركات الشمولية الأيديولوجية الإسلاموية التي تقف على النقيض من مسائل الحداثة والتعايش والتقدم والمواطنة، بل إنها حركات تسعى لتعود بالمجتمعات العربية إلى مرحلة ما قبل قيام الدولة، فتجرها نحو الفوضى المدمرة وترهن حاضرها ومستقبلها وأجيالها للمجهول. وتجعل مصائر الدول موزعة بين الفوضى والتقسيم والحروب الطائفية.

كما ونجد الصراع التاريخي بين السنة والشيعة والذي أصبح أكثر حدة ورفضاً للآخر وانعدام للحوار، حيث تشهد المنطقة حالة من الاستقطاب المذهبي تستخدم خلاله دغدغة العواطف للتجييش والكسب السياسي من أجل تخدير الجماهير كما هو الحالة السودانية التي تحكي بواقعية تجربة الإسلام السياسي في الحكم والتي أدت سياساتهم الي تفكك الدولة السودانية ودوامة حروب استطالت وافقرت شعبه وفرطت في سيادته - والأوضاع في دول اخري تمدد فيه نفوذ الاسلام السياسي مثل اليمن وليبيا لا يبشر بخير اذ ينشط التنظيم العالمي للإسلام السياسي بتغذية الصراع في تلك الدول واحتضان الحركات المتطرفة لزعزعة الاستقرار والتعايش السلمي وكما تشهد الدولة المصرية صراعا محموما من اجل اجتثاث بؤر التطرف الإسلامي.

 

وآخر تجليات الإسلام السياسي متمثل في النسخة الداعشية التي تمثل قمة الانحطاط والانحدار نحو الهمجية واللاوعي وانعدام الانسانية- ومؤكد ان خطر هاذه الجماعات سيطول المنطقة دون استثناء وحتي الدول الخليجية اصبحت تشعر بالخطر القادم عبر البوابة اليمنية من خلال تنظيم القاعدة والحوثيين والتغلغل داخل المملكة العربية السعودية.

 

  •         التطرف الديني:

 

في حالة التطرف الديني، يكون الفرد متديناً عادياً يأخذ نفسه بتعاليم الدين ومبادئه، ويدعو الناس إلى الأخذ بذلك، وهو حتى هذه اللحظة يدعو إلى شيء لا يملك المجتمع إزاءه إلا تعبيراً عن الرضا والتشجيع. هذا الداعية غالباً ما يواصل مسيرته نحو التشدد مع نفسه أولاً ومع الناس، ثم يتجاوز ذلك إلى إصدار أحكام قاطعة بالإدانة على من لا يتبعه في مسيرته أو دعوته، وقد يتجاوز ذلك إلى اتخاذ موقف ثابت ودائم من المجتمع ومؤسساته وحكومته.

 

يبدأ هذا الموقف بالعزلة والمقاطعة، حتى يصل إلى إصدار حكم فردي على ذلك المجتمع بالردة والكفر، والعودة إلى الجاهلية. ثم يتحول هذا الموقف الانعزالي عند البعض إلى موقف عدواني يرى معه المتطرف أن هدم المجتمع ومؤسساته هو نوع من التقرب إلى الله وجهاد في سبيله، لأن هذا المجتمع – في نظر المتطرف – مجتمع جاهل منحرف، لا يحكم بما أنزل الله. هنا يتدخل المجتمع لوضع حد لهذا التطرف ومصادره، باعتباره نشاطاً يصل بصاحبه إلى الاصطدام بالعديد من القواعد الاجتماعية والقانونية. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساء هؤلاء استخدام تفسيرهما، ودعاهم هذا إلى الاعتداء على حقوق ليست لهم، وإلى تهديد أمن الأفراد وحرياتهم أو حقوقهم.

  •         مظاهر التطرف الديني
  1.   التعصب للرأي تعصباً لا يعترف للآخرين برأي، وهذا يُشير إلى جمود المتعصب مما لا يسمح له برؤية مقاصد الشرع ولا ظروف العصر، ولا يسمح لنفسه بالحوار مع الآخرين. فالمتطرف يرى أنه وحده على الحق، وما عداه على الضلال، كذلك يسمح لنفسه بالاجتهاد في أدق القضايا الفقهية، ولكنه لا يجيز ذلك لعلماء العصر المتخصصين منفردين أو مجتمعين، ما داموا سيصلون إلى ما يخالف ما ذهب هو إليه.

 

  1.    التشدد والغلو في الرأي، ومحاسبة الناس على الجزئيات والفروع والنوافل، كأنها فرائض، والاهتمام بها والحكم على إهمالها بالكفر والإلحاد.

 

  1.      العنف في التعامل والخشونة في الأسلوب دون التعامل بالحسنى والحوار والاعتراف بالرأي الآخر.

 

  1.   سوء الظن بالآخرين والنظر إليهم نظرة تشاؤمية لا ترى أعمالهم الحسنة، وتضخم من سيئاتهم، فالأصل هو الاتهام والإدانة. قد يكون مصدر ذلك هو الثقة الزائدة بالنفس التي قد تؤدي في مرحلة لاحقة بالمتطرف إلى ازدراء الغير.
  2.   يبلغ هذا التطرف مداه حين يسقط في عصمة الآخرين ويستبيح دمائهم وأموالهم، وهم بالنسبة له متهمون بالخروج عن الدين. وتصل دائرة التطرف مداها في حكم الأقلية على الأكثرية بالكفر والإلحاد. إن هذه الظاهرة متكررة وليست وليدة العصر، بل وقعت في مختلف العصور وفي كل الديانات السماوية.

 

  1.   العزلة عن المجتمع، والعزلة تؤدي وظيفتين؛ الأولى تجنب المتطرفون (المنكرات) التي تملأ جوانب المجتمع وحمايتهم من أن يشاركوا في نهج الجالية؛ والوظيفة الأخرى تكوين مجتمع خاص بهم تُطبق فيه أفكارهم ومعتقداتهم، وتتسع دائرة هذا المجتمع شيئاً فشيئاً حتى تستطيع غزو المجتمع من خارجه. وكما هو واضح فإن الوظيفة الأولى فكرية دينية، بينما الوظيفة الأخرى سياسية حركية.

 

نستطيع جلياً رصد أغلب (إن لم يكن جميع) مظاهر التطرف أعلاه لدى الجماعات الدينية المتطرفة التي تحاول فرض معتقداتها على باقي أفراد المجتمع أدعاءً منها أنها تقوم بحراسة الدين وتطبيق شرائعه. وهذا يعد من أشد أنواع التطرف خطورة حيث تُجيز هذه الجماعات لنفسها تكفير فئة أخرى (أو مذهب أو طائفة) ومصادرة حق أبنائها في الحياة من خلال إطلاق فتاوي التكفير واهدار الدماء والقتل عليها. وقد أنتشرت هذه الجماعات بكثرة في الدول العربية، خاصة في الجزائر ومصر والسعودية واليمن وسوريا، وبعد"الربيع العربي" بدأت بالظهور في كل من تونس وليبيا.