خبر عاجل

استراتيجية ترامب الخارجية.. «نزعة انعزالية» يخالطها ميل نحو خطاب القوة والغطرسة!

استراتيجية ترامب الخارجية.. «نزعة انعزالية» يخالطها ميل نحو خطاب القوة والغطرسة!

نشر الثلاثاء 09 اوكتوبر, 2018 في تمام الساعة 13:28

استراتيجية ترامب الخارجية.. «نزعة انعزالية» يخالطها ميل نحو خطاب القوة والغطرسة!


فيصل علوش


شعار «أميركا أولا»، ليس بدعة انتخابية جاء بها ترامب، بل ينسجم مع ثقافة سياسية تركّز على «الاستثناء الأميركي»، و«مفهوم» للهوية الأميركية «مشوب بالعنصرية والعداء للمهاجرين غير البيض»
في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجومه على «أيديولوجيا العولمة» وقال إنه يرفضها ويتبنّى مفهوم «القومية»، على نحو ينسجم مع شعاره الأثير على قلبه؛ «أميركا أولاً».
وفي سياق ذلك، هاجم ترامب النظام الدولي والتعددية (النسبية) التي يقوم عليها، مؤكداً أن أولويته العليا هي استعادة «السيادة القومية الأميركية»، التي «يُقيّدها» النظام المعمول به عالمياً. وعلى ذلك، فقد استمرّ في توجيه انتقاداته تجاه المؤسسات الدولية، وقال: «لن نسلم السيادة الأميركية أبداً إلى البيروقراطية العالمية غير المنتخبة وغير الخاضعة للمساءلة»، مدافعاً عن قراره بالانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومشيراً كذلك إلى المحكمة الجنائية الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة أيضاً.
يذكر هنا، أنّ قلق الولايات المتحدة المعلن من المحكمة الجنائية ليس جديداً، إذ لم يصدّق لا الرئيس جورج بوش الابن ولا الرئيس باراك أوباما على «معاهدة روما» التي تشكلت بموجبها هيئة ونظام هذه المحكمة.
ومن أبرز الأمثلة على السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب تجاه الاتفاقات الدولية؛ انسحابها من اتفاق باريس للمناخ، ومن عدد من اتفاقات التجارة الموقعة مع دول أخرى، وملاحظاتها المتواترة على «منظمة التجارة العالمية» التي تعتبر أنها تسمح للدول الأعضاء بالتلاعب بنظامها الأساسي لصالحهم من خلال المشاركة في إغراق المنتجات، وسرقات الملكية الفكرية (في إشارة واضحة وجليّة إلى الصين). وكذلك انسحاب إدارته من الاتفاق النووي الموقع مع إيران لعام 2015. وإعلانها أنّ الولايات المتحدة لن تشارك في ميثاق الأمم المتحدة العالمي بشأن الهجرة.
وهي مواقف تبدو في مجملها، وكأنها تميل إلى «نزوع شعبوي انعزالي»، تميّزت به خطب ترامب منذ حملته الانتخابية، لولا أنه يخالطه نزوع موازٍ وسافر إلى الغطرسة والتلويح الدائم باستخدام القوة العارية ضد من يعتبرهم أعداءه، وحتى بعض حلفائه أيضاً!.
كما عكست مواقف ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، انتقاصاً من شأن معظم الدول الأوروبية، وذلك من خلال التفاخر وتمنينها بقيام بلاده بحمايتها، مع توجيه اللوم الدائم لها، بل وتوبيخها، لأنها «لا تساهم على النحو الكافي بميزانية حلف شمال الأطلسي، ولا تدفع ثمن حمايتها»، هذا فضلاً عن تقريعها لأنها «تنتهج سياسة تجارية تشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي»، على حد قوله.
«أميركا أولاً»
وفي الواقع، هناك كثيرون يعتبرون أن شعار «أميركا أولا»، ليس «بدعة انتخابية جاء بها ترامب، بل يمتد عميقاً في ماضي الولايات المتحدة»، ويعود تحديداً إلى القرن التاسع عشر، وأقلّه إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، بما ينسجم مع ثقافة سياسية راجت في تلك العهود ركّزت على ما تسميه «الاستثناء الأميركي»، (بمعنى أنّ الحفاظ على أمن الأمة الأميركية وحماية تجربتها الديمقراطية الفريدة يتطلبان الابتعاد عن عالم خطير، بمشاكله وتخلّفه واعتقاداته). وعلى مفهوم للهوية الأميركية «مشوب بالعنصرية والعداء للمهاجرين غير البيض»!.
وقد اعتمد ترامب في صعوده السياسي على «قدرته الفذة على التوجّه إلى الناخبين الساخطين، الذين يشعرون بالسلب تجاه العولمة والهجرة، ولديهم تصورٌ «مضلل» عن التزامات بلادهم الدولية باهظة التكلفة»، والذين يتوقون، بالتالي، للعودة إلى «الولايات المتحدة القديمة، التي كانت أكثر قوة وسيادة، وأقوى اقتصادياً وسياسياً، وذات أغلبية بيضاء»!.
وفي سبيل هذه «العودة»، أثار ترامب عدداً من الحروب التجارية عن طريق فرض تعريفات جمركية مرتفعة على الواردات لحماية المُصنّعين الأميركيين، مع مطالبة الشركاء التجاريين توفير وصول أكبر للسلع الأميركية إلى أسواقهم. وهذا أيضاً ليس بالشيء الجديد. فقد دعت المعاهدة النموذجية التي صاغها في الأساس جون آدامز والتي وافق عليها الكونغرس في 17 أيلول/ سبتمبر 1776، إلى «التبادل»، وليس إلى «التجارة الحرة» مع الدول الأخرى. كما أن التعريفات المفروضة كانت تحمي القاعدة الصناعية للولايات المتحدة منذ تأسيسها وحتى أصبحت قوة عظمى.
لكن وعلى رغم كلّ ما يفعله ترامب، فإنّ أغلب المحللين يتوقعون له الفشل، ويستبعدون أن تفضي جهوده إلى إعادة إحياء نسخة جديدة من «الاستثنائية الأميركية»، وذلك لسبب بسيط، هو أنّ هذا المشروع يتناسب ويتلاءم مع ظروف ومعطيات القرن التاسع عشر وليس القرن الواحد والعشرين؟!.
خطاب الغطرسة والغرور
لكن وعلى النقيض من ذلك، ظاهرياً على الأقل، فإنّ خطب ترامب عموماً يمكن القول إنها «تُدشّن لمرحلة جديدة في الاستراتيجية الأميركية تجاه العالم»، يمكن تسميتها «مرحلة الغطرسة وغرور القوة وسفور خطاب القوة المجردة والهيمنة الواضحة»، التي تحيل إلى نزعة إمبراطورية فجّة، لا تتستر خلف أية شعارات ناعمة، إنما توجّه خطابها للجميع بلهجة الآمر الناهي (الكاوبوي)، وكأنّ لسان حالها يقول: «من يملك القدرة على مواجهتي فليتفضل»!.
وعلى نحو غير بعيد عن ذلك، فإنّ سياسات ترمب الخارجية تبدو أحياناً وكأنها «مزيج من التناقضات غير المفهومة»؛ فهو يعلن وقوفه ضد «الحروب الغبية» التي أشعلها بعض أسلافه من الرؤساء، وكانت مكلفة مالياً وبشرياً بالنسبة للولايات المتحدة، غير أنه لم يسحب حتى الآن جندياً أميركياً واحداً من الساحات الساخنة التي تتواجد فيها قوات أميركية!.
وتراه يسخر ويُهدّد ويتوعد زعيم كوريا الشمالية، ثم يعود ليلتقي به في وقت لاحق ويغدق عليه الكثير من صفات الإطراء، بعد أن جمعتهما قمة غاية في الأبهة والفخامة في سنغافورة. مشيراً وملمّحاً غير مرّة إلى أن سياسة «حافة الهاوية» والتهديد بالحرب، هي التي أجدت مع كوريا وزعيمها؟!