تنشغل الولايات المتحدة الأمريكية بلهاثها لضمان هيمنتها وتسيدها استمراراً لما ساد بعد الحرب العالمية الثانية، تنشئ تحالفات حرب وتثير أزمات.. على المقلب الآخر، تخطو روسيا خطواتها بشكل مدروس لإرساء قواعد جديدة من المواجهة مع واشنطن تقتضيها الضرورة، وبشكل أدق قواعد جديدة للردع على الرغم من ضآلة احتمال الصدام بشكل مباشر بين القوتين العالميتين.
اليوم وبعد أن كانت الولايات المتحدة تختار طرق وساحات المواجهة مع روسيا، ينعكس المشهد وتختار موسكو وبدقة ساحة تنقل هي إليها المواجهة مع واشنطن، وبطريقة لافتة وفي أمريكا اللاتينية التي تعدها الأخيرة «حديقتها الخلفية» -تتحكم فيها كما يحلو لها-، هذا تماماً ما ينطوي عليه إنشاء روسيا لقاعدة بيانات إلكترونية في فنزويلا.
بنعومة تفرض موسكو أساليبها وردة فعلها على كل المشاغبات الأمريكية تجاهها القديمة منها والجديدة، وإذ تتجه روسيا لفنزويلا لتصبح على مقربة مباشرة من أمريكا، فهي تتجه من موقع القوي المنتصر والمبادر والقادر في الوقت عينه على الرد والتعويض عن الضغوط الأمريكية التي تتعرض لها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً سواء من خلال العقوبات أو عبر أوكرانيا وفي أي بقعة توجد فيها روسيا، وبذلك تكون الخطوة الروسية في فنزويلا بمثابة تهديد غير مباشر للولايات المتحدة وعلى جميع المستويات، وبمعنى آخر فإن روسيا أخرجت أمريكا من أن تكون اللاعب الوحيد في أمريكا اللاتينية.
تدعيم روسيا لوجودها في فنزويلا، إضافة إلى كونه تدعيماً لعلاقات سياسية – عسكرية – اقتصادية تجمع البلدين، هو تعزيز لمحور مناهضة أمريكا، والأهم من ذلك فقاعدة البيانات الإلكترونية تعني الوقوف في وجه محاولات واشنطن المستمرة لزعزعة الأمن والاستقرار في الداخل الفنزويلي، وبالتالي فأي محاولات قادمة ستصطدم بالتصدي الروسي وبالطريقة والأسلوب الذي تختاره موسكو.
إذاً المواجهة بين روسيا وأمريكا تبدو مفتوحة وغير محددة بمكان، فرضها الصعود الروسي القوي، وبذلك نجد أن الغطرسة الأمريكية لم تؤثر على مكانة روسيا كقوة عالمية ولم تقف حائلاً دون استمرارها من مراكمة عوامل القوة والاستفادة منها لمرحلة الضعف الأمريكي الحاصل راهناً، ما يكشف بوضوح عن افتقار السياسة الأمريكية لأي استراتيجية حقيقية قادرة على مجابهة روسيا التي تسير إلى الأمام متفوقة سياسياً وعسكرياً على واشنطن.