خبر عاجل

المانيا الصهيونية؟!

المانيا الصهيونية؟!

نشر الاربعاء 22 مايو, 2019 في تمام الساعة 17:58

 

محمد النوباني


بداية ربما لا يعرف الكثيرون أن ألمانيا التي اصدر مجلس نوابها(البوندستاغ ) يوم الجمعة الماضي قرارا صنف فيه حركة مقاطعة إسرائيل ورفض تطبيع العلاقات معها( بي.دي.اس) منظمة معادية للسامية وتبعا لذلك وقف تمويلها وحظر تقديم اية مساعدات لها وإخراجها عن القانون هي من الدول التي لعبت دورا مهما في بناء المداميك الاولى لاقتصاد اسرائيل الحالي..
فبعد وصول الحزب النازي بزعامة اوديلف هتلر الى سدة الحكم في ألمانيا عام 1933 من القرن الماضي كان من أولى الإجراءات التي قام بها تسهيل هجرة الكثير من يهود ألمانيا الأثرياء وميسوري الحال الى فلسطين مقابل مبالغ مالية دفعت للخزينة الالمانية مما قوى البنية الاقتصادية لتجمع المستوطنين الصهاينة وأسس لبناء اقتصاد صهيوني قوي
وبعد إنشاء ما اصبح يعرف بدولة اسرائيل في ١٥ ايار عام ١٩٤٨ لعبت الاموال الطائلة التي دفعتها ألمانيا ولا زالت تدفعها على شكل تعويضات مالية وعسكرية عن الجريمة التي ارتكبها النازيون الألمان ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية سلسلة طويلة من الجرائم التي ارتكبوها ضد قائمة طويلة من شعوب اوروبا والعالم ودخلت التاريخ باسم (الهولوكوست) دورا بارزا في بناء الاقتصاد الاسرائيلي الاكثر تطورا في الشرق الاوسط حاليا
ومن المفارقات المهمة في هذا المجال ان قرار مجلس النواب الألماني بخصوص ال(بي-دي-اس) جاء على خلفية اقتصادية في المقام الاول رغم ابعاده السياسية حيث ان هذه المنظمة بدعوتها لمقاطعة منتجات المستوطنات الاسرائيلية على مستوى القارة الأوروبية شكلت خطرا على الاقتصاد الاسرائيلي مما حدا لنتنياهو للضغط على الاحزاب الألمانية الاكثر تمثيلا في البرلمان الألماني لاستصدار هذا القرار تحت مسمى محاربة معاداة السامية التي هي الأخرى ظاهرة سببها التاريخي كان اقتصاديا يقوم على كره الدور الاقتصادي الربوي الذي كان يلعبه اليهود في المجتمعات الإقطاعية وليس كما ادعت الصهيونية السياسية كره اليهود لمجرد كونهم يهودا تدفعهم لمغادرة بلدانهم الأصلية والهجرة الى فلسطين لاستخداهم لاضطهاد الشعب الفلسطيني والتنكيل به وحرمانه من وطنه
والمشكلة هنا تكمن في حقيقة أن غالبية الاحزاب الألمانية الكبرى والاكثر تمثيلا في البرلمان الألماني لا زالت مسكونة بعقيدة الهولوكوست، ان جاز التعبير، ولذلك نراها دائما خاضعة لنفوذ صهيوني قوي و تتسابق فيما بينها على اتخاذ مواقف وانتهاج سياسات مؤيدة لاسرائيل المعادية للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة 
بكلمات اخرى فان هذه الأحزاب الألمانية لها مطلق الحرية في اتخاذ ما تراه من مواقف من مختلف قضايا القارة العجوز و قضايا العالم ولكن عندما يتصل الموقف باسرائيل فانها تصبح مكبلة وخاضعة بالمطلق لتوجيهات رئيس الوزراء الاسرائيلي لكي تدفع عن نفسها تهمة معاداة السامية وتهيئة الأجواء لاحياء نازية جديدة في ألمانيا
لزعماء الاحزاب الألمانية الجبناء هم اول من يعرفون ان نشطاء ال (بي -دي-اس)في المانيا وعموم القارة الأوروبية ليست لديهم كراهية من منطلقات عنصرية لاتباع الديانة اليهودية بقدر ما يكرهون ويمقتون سياسات اسرائيل العنصرية ولذلك فإن اتهامهم بمعادلة السامية ليس صحيحا لسببين الأول لان السامية ليست حكرا على اليهود والثاني لان العرب هم من أعرق الشعوب السامية والانسان لا يمكن ان يكره نفسه كما يطلق الصهاينة على اليهودي الذي يعارض الصهيونية وينتقد سياسات اسرائيل العنصرية لحق الفلسطينيين..

لقد عملت الحكومات الألمانية المتعاقبة منذ ان تعافت بلادهم من نتائج الحرب العالمية الثانية المدمرة ونجاح مشروع مارسال الامريكي في اعادة لناء الاقتصاد الالماني على تقديم مساعدات مالية وعسكرية ضخمة لاسرائيل،من ضمنها غواصات ووسائل قتالية متطورة وخبرات علمية وتكنولوجية لكي تبقى الدولة العبرية راضية عنهم وعن ادائهم
بل وأستطيع الذهاب الى ابعد من ذلك الى حد القول ان القرار الاخير البرلمان الألماني جاء بدفع مباشر من رئيس الوزراء الاسرائيلي بن يامين نتنياهو الذي كان من أوائل المرحبين به
وهو ياتي استكمالا الوعد الذي قدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لزعماء الجالية اليهودية في فرنسا حينما وعدهم في حفل العشاء الذي أقامه لهم في أعقاب حادثة تدنيس المقابر اليهودية قبل ثلاثة أشهر بتوسيع القانون الفرنسي الذي يجرم معاداة السامية والتشكيك بالمحرقة ليشمل منع انتقاد الصهيونية والسياسات الاسرائيلية
إذن فان قرار البرلمان الألماني هو قرار لا اخلاقي و منحاز لاسرائيل بامتياز وتفوح منه رائحة عنصرية نتنة ازاء الفلسطينيين والعرب ويهدف من ضمن ما بهدف خنق ومحاصرة وتكميم افواه اصوات أحرار وشرفاء ألمانيا وأوروبا المؤيدين للعدل والسلام في فلسطين ولذلك يجب النضال من اجل إلغائه
بقي القول ان الهولوكوست حتى لو افترضنا من باب الجدل انه لم يضخم الابتزاز العالم وتبرير سياسات اسرائيل فان أحفاد من ارتكبه وهم الألمان من يجب ان يدفع لليهود الثمن وليس نحن ضحايا الابارتهايد الصهيوني.