خبر عاجل

الأقليات ..اداة الاستعمارلتفتيت واضعاف الوطن العربي

الأقليات ..اداة الاستعمارلتفتيت واضعاف  الوطن العربي

نشر الثلاثاء 11 يونيو, 2019 في تمام الساعة 10:44

الأقليات ..اداة الاستعمارلتفتيت واضعاف  الوطن العربي

 

بقلم: ابو جورج

الأقليات في العالم العربي لم تتعرض قط لخطر الإبادة المادية. ولم تعاني من سطوة غريزة الخوف على البقاء, المعطلة لكافة أنواع الفعاليات الواعية، أو التفاعل الايجابي مع المحيط العام. ونستطيع القول إن الأقليات في المنطقة العربية حظيت في معظم الأحيان بأفضل أنواع المشاعر الأقلوية .

علينا ان نعترف اعترافا تاريخيا بأن الابناء البررة من الاقليات قدّموا خدماتهم ومجهوداتهم لحضارة العرب ودول المسلمين ، فهل يمكن لأحد ان ينكر دور الادباء والشعراء المسيحيين الرائع في العهد الاموي ، وهل يمكن لأحد ان ينكر دور الاطباء والمترجمين والادباء المسيحيين والصابئة في العصور العباسية ، وهل يمكن لمؤرخ ان ينكر ادوار الترك والكرد والعجم والقوقازيين وغيرهم على امتداد دول العصور المتأخرة .. ولا ننسى دور اليهود في الصيرفة والتجارة والتعليم ابان عهد الدولة العثمانية .. وأخيرا ، هل يمكننا ان ننفي ادوار ابناء الاقليات وخصوصا الاباء اللغويين والمؤرخين والموسوعيين النهضويين المحدثين في تأسيس ما اسمي بالنهضة العربية الحديثة على مستوى الصحافة والترجمة والمعاجم والاقتصاد والمال والحركات الادبية وبلورة الاتجاهات المعاصرة ؟؟ وهل يمكننا ان ننكر ادوار رجالات جدد في المعرفة والعلوم والصحافة والطب والفلسفة والتربية .. وجلهم من ابناء الاقليات ؟ هل يمكننا نكران ادوار ساسة آخرين منهم في منظمات واحزاب وقوى سياسية جديدة انتشرت في القرن العشرين ؟

لقد كان هناك تعايش بين الاديان الثلاثة وبين الاجناس المتنوعة في منطقة الشرق الاوسط تحسدنا عليها مجتمعات اخرى  لقد كان هناك احترام متبادل في عصور خلت  ، وشراكات في الاراضي والاملاك والبيوت والاسواق .. لقد وقفت الملل المسيحية الشرقية في بلاد الشام كلها مثلا مع المسلمين ضد الصليبيين ، بل وامعن الصليبيون في اضطهاد المسيحيين العرب الشرقيين قبل المسلمين ! كانت هناك زيجات مشتركة بين العرب والكرد والتركمان او بين الامازيغ والعرب او بين الاسبان والعرب او بين الاتراك والعرب .كانت هناك علاقات ثقة وامانة متبادلة بين التجار في السوق الدولية والاقليمية والمحلية سواء كانوا من اليهود ام المسلمين ام المسيحيين .. كان هناك اعتماد في مجتمعاتنا على ابناء الاقليات في المهن والحرف والطب والعطارة والحدادة والنجارة والصيرفة والبناء والتجارة وحتى في الزراعة بالأرياف التي تزدحم بفسيفساء الاقليات .. كان هناك تبادل منافع بين ابناء الاقليات والاكثريات في مجتمعاتنا .. ولا يمكن لكائن من كان ان يلغي التاريخ ليقف على ما هو جار اليوم ، فيصبغ تاريخنا بالاحتقار والضعة والكراهية .. ربما في تاريخنا مثالب لا تحصى ، ولكنها ليست اجتماعية بالضرورة .. وان حدثت مشاكل هنا او هناك ، فان مجتمعات الدنيا كلها لا تخلو من مشكلات تحدث لأسباب عارضة طارئة او مستديمة ومزمنة . بكل تقه يمكن القول  بأن الاقليات قد ساهمت مساهمة حيوية وفعالة في صناعة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لعموم الشرق الاوسط ، فعندما نقرأ تاريخ اليهود والمسيحيين في مجتمعاتنا العربية ، نجد ان كلا منهما قد اختارا طريق المهن والتجارة والحرف عن قناعة تامة ، اذ ان الطرفين قد ادركا بأن لا مجال لهما في السياسة والادارة والجيش .. ان تاريخ التعايش الاجتماعي بين الاكثرية والاقليات في مجتمعاتنا يوّضح لنا برغم كل ما حدث من مشكلات ان الاقليات الدينية والعرقية قد حافظت على كنائسها ومعابدها واديرتها وعلى طقوسها وتقاليدها وعاداتها من دون اي افناء لها .. كالذي حدث في مجتمعات اوربية في العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث مثلا .. كما ان الاقليات العرقية قد حافظت هي الاخرى على لغاتها وثقافاتها واساليبها في الحياة في منطقتنا مقارنة بما حدث لشعوب اوربية قديمة سحقتها السياسات التي اتبعتها الامبراطوريات الجائرة في تضاعيف العصور الوسيطة المتأخرة .. وعلينا ان نسأل : كيف ذابت مقومات قومية وعرقية اثنية وثقافية اجتماعية لشعوب مثل الاسكوتلنديين والايرلنديين والغال والوندال .. الخ

تظل فكرة وجود أقليات في العالم العربي واحدة من أبرز المبررات التي يستغلها الغرب عادة ،  كلما ارادان يتدخل  في شئون الآخرين, من اجل الرغبة الاكيدة والمتواصلة لإجهاض أي حلم بخلق قومية عربية يمكنها أن توحد الشرق بعيدا عن التحيز الطائفي .

ولا يغيب عن الذاكرة الجمعية ما استخدمته القوى الاستعمارية المنتصرة كمبرر لحماية يهود الشرق من خلق كيان الاحتلال الإسرائيلي البغيض, ذلك الكابوس الذى ما زال جاثما على صدورنا وأيامنا وأعصابنا

المحزن انه بقدر الاهتمام الهائل الذى يوليه الغرب بالأقليات الدينية في عالمنا العربي, تبقي المفارقة المؤلمة وهى أننا كعرب لا نعرف فعليا الكثير عن تلك الأقليات التي وفق التصور الغربي من حقها الاستقلال وخلق كيانات منفصلة خاصة بها بمعزل عن الكيان العربي, هربا من الإبادة التي تتعرض لها كما يروجون .

لقد ظلت فكرة تدخل الرجل الغربي النبيل بالقوة لحماية الأقليات المقهورة في الشرق, تحتل جزءا كبيرا من الأدبيات الغربية, التي كثيرا ما اعتبرت أن ما تعانيه الأقليات في الشرق العربي من اضطهاد ليس من سبيل إلى علاجه سوى تقسيم الدول العربية إلى أقاليم مفتتة ولكل طائفة دولة مستقلة, باعتباره الحل الوحيد لمعاناتهم . وإن لم تكن هناك معاناة فعليه او ما يمكن ان يستحق التدخل الإنساني الغربي يمكن ابتكار معاناة مختلقة عن طريق عمليات أجهزة المخابرات الغربية.

نأخذ على سبيل المثال، الدراسة التي طرحها سفير إسرائيل السابق في مصر, تسفى مزئيل, عشية ما سمى بالربيع العربي, والتي يقترح فيها أن الميزة الوحيدة التي يجب أن تخرج من جعبة هذا الربيع, هو إعطاء الأقليات في الوطن العربي الحق في الاستقلال, مزئيل الذى عمل في عدة مناصب في وزارة الخارجية الإسرائيلية كرئيس لإدارة مصر وشمال إفريقيا, يرى أن ما يسميه (ربيع الشعوب العربية) يجب أن يطرح حلول لمشاكل الأقليات في العالم العربي على غرار ما حدث في السودان من استقلال جنوبها, الذي يري انه كان الحل الأمثل للسودان.

ويقترح مزئيل على الشباب العربي قبول الآخر ،ولكنه لم يقل لنا من هو هذا الاخر ، والسماح له بإنشاء أنظمته الفيدرالية أو أنظمة حكم ذاتي أو أي كيانات حاكمة مستقلة أخرى, في دول مثل سوريا واليمن والجزائر وليبيا.

و يتهم في دراسته دعوات الزعيم الراحل عبد الناصر إلى الوحدة في إطار وحدة قومية عربية جامعة مانعة, بالمحاولات الفاشلة التي يشبهها بما يحدث الآن من محاولات توحيد المسلمين تحت راية الجماعات المتطرفة التي تدعو إلي فرض أجندتها الدينية بالقوة, في إطار ما يسمى بالخلافة الإسلامية.

عندما يتم الحديث عن الاقليات في المشرق ،لا احد يقول لنا كيف كانت تعيش هذه الاقليات .الم يكونوا يعملوا ويدرسوا ويبيعوا ويشتروا ويشغلوا الوظائف العامة والوزارات  في سوريا والعراق مثلا؟ . من الذي خلق التنظيمات الإرهابية التي تعمل اليوم علي تصفيتهم, ولماذا  تجاهل المتباكين علي الاقليات ما حدث اثر احتلال العراق وما وقع من تهجير لمسيحي العراق, و أيضا لما حدث لمسيحي سوريا من تنكيل وتهجير, ومن الذي نكل وهجر؟.

الحماس الغربي لخلق كيانات شيعية مستقلة أو تمكين الشيعية من الحكم كان قد نفذ بعنف مع الاحتلال الأمريكي في العراق بعد الإطاحة بحكم صدام حسين حيث تم تمكين الغالبية الشيعية علي حساب الأقلية السنية, ويمكننا بوضوح أن نرى النتائج الكارثية لتلك الخلخلة الاجتماعية التي اجبر عليها العراق .

لا يخفى على احد الدعم الغربي لخلق كيانات طائفية وعرقية ,ولم يعد يخفى على احد ما هو الهدف من وراء هذا التباكي على الاقليات وحقوقها ، حتى لا يبقى في مقابلها وجود دولة يهودية نقية بالأمر المستنكر .

وتأكيدا على ما نقول انظروا وراقبوا الدعم المتواصل من الغرب, لقبائل البربر أو ما يعرف بالامازيغ, وهى من بين الأقليات التي يعمل الغرب وخاصة اسرائيل عن كثب لجذبها نحو الانفجار, وهم يشكلون غالبية السكان في شمال أفريقيا حيث يشكلون نحو 45 % من تعداد السكان في المغرب و25 % في الجزائر و 10 % في كل من ليبيا وتونس ويصل عددهم الإجمالي من 20 إلى 25 مليون نسمة, وكان قد اشيع ان رئيس الكونجرس العالمي الأمازيغي الحالي, فتحي بن خليفة, قد صرح عقب اغتيال القذافي إلى ان امازيغ ليبيا مستعدون لإنشاء اتصالات مع اسرائيل باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط وان مشكلة الشعب الفلسطيني هي مشكلتهم الخاصة وان الامازيغ يستعدون لتحرير انفسهم من الانظمة الديكتاتورية والعمل على الحصول على حقوقهم السياسية كمجتمع مستقل ....

في النهاية يبقي التساؤل هل سيتحمل الرجل الأبيض عبئه التاريخي مرة أخرى ويخرج لنا بسايكس-بيكو جديدة قريبا؟

علينا ان لا نفتح جروحا حدثت في الماضي لكي تتقّرح وتغور وتكبر وتكون سببا في اذكاء صراعات لا معنى لها في مجتمعات الشرق الاوسط نحن في غنى عنها اليوم ومستقبلا .. ذلك لأننا بذلك نفتح بحرا من الدم لا يمكن ان ينشف ابدا .. ولنا في العراق مثلا حقيقيا لصراعات ابنائه بعد ان اذكيت من قبل الاغبياء الذين لم يفقهوا التشريعات المدنية وضرورات دستور مدني ولم يدركوا معاني العراق واحتياجاته وليس لهم أي معرفة بتواريخه وتجارب ابناء مجتمعه. !

المشروع السياسي للأكثرية ليس الإسلام السياسي، إن المشروع النهائي للأكثرية في كل مكان من العالم هو الديمقراطية والمواطنة المتساوية. ومنحى التطور في عالمنا العربي على الرغم من كل الشكوك والعماء الذي يحيط به، لا يبدو أنه سيشذُّ عن هذه القاعدة. لكننا نذكر أيضاً ولكي لا تؤخذ الأمور بالنتائج العاجلة، أنه ليس بمقدور فئة سوى الأكثرية الواثقة بنفسها والمتمكنة من سلطتها أن تنهض بمشروع الديمقراطية، وهذا قد يعني فيما يعني انفرادها بالسلطة حيناً من الزمن.