المقاطعة العربية لـ«إسرائيل» قتلت بأيدي «عرب الاعتدال»

حرر في تاريخ 03:11 11-02-2014

عدد الزيارات 68


السلاح الأقوى الذي دفنه عـرب الجامعة

بقلم: مها سلطان

لنقبل جدلاً أو اعتباطاً أو سذاجة أو مسايرة أو أي شي آخر.. لنقبل أن أوروبا توسع وتصاعد مقاطعتها لـ«إسرائيل» اقتصادياً بالدرجة الأولى، وتالياً أكاديمياً وثقافياً. لن نقول هنا إنها تفعل ذلك حباً بالفلسطينيين وانتصاراً لحقوقهم (مع وجود استثناءات طبعا). ولن نقول أيضاً ما تقوله «إسرائيل» إن الأوروبيين يفعلون ذلك بضغط أميركي لإجبارها على توقيع «اتفاق إطار» يمهد لعملية سلام مع الجانب الفلسطيني، وذلك ليقيننا أن أميركا وأوروبا الرسمية (التي تغض النظر عن اتساع نشاطات المقاطعة في دولها من قبل أحزاب وهيئات ومنظمات) لا تُقدمان على أي أمر إلا لكي ينتهي لمصلحة «إسرائيل» وعلى كل الصعد حتى لو كان بممارسة الضغط عليها، وهذا ما أوضحته مراراً الخارجية الأميركية رداً على تصريحات مسؤولين إسرائيليين هاجموا جون كيري وكلمته أمام مؤتمر ميونيخ قبل أسبوع التي حذر فيها «إسرائيل» من مخاطر حقيقية في حال استمرت برفض «اتفاق الإطار» الذي يفاوض بشأنه كيري وواصلت سياساتها الاستيطانية. الخارجية الأميركية قالت بلهجة حادة مؤنبة وعاتبة: «لا أحد يستطيع أن يزايد على كيري في قضية دعم «إسرائيل بالمطلق». 

في اتساع عملية مقاطعة «إسرائيل» أوروبياً نقول: إنه أمر جيد بصرف النظر عما ذكر آنفا، فهي بشكل ما تصب في مصلحة الفلسطينيين ودولتهم الموعودة في حال وُجد بين العرب - عرب الجامعة - من يريد البناء على هذه المقاطعة.. لكننا نعلم مسبقاً بأن لا حياة لمن تنادي، «فلتطمئن إسرائيل».

في كل الأحوال، ليست المقاطعة الأوروبية موضوعنا وإن كنا سننطلق منها لنسأل بأسى وتحسّر عما حلَّ بالمقاطعة العربية لـ«إسرائيل».

مقاطعة.. وعربية!!

من قال ذلك، من يقول ذلك، هل ما زال هناك من يتلفظ بهذه الجملة، وبشكل أدق من يتذكر أن هناك مقاطعة عربية لـ«إسرائيل»، والأمر الأكثر بؤساً وألماً من ما زال يقول بـ «إسرائيل العدو».

مع ذلك، دعونا نستذكر ونذكر بالمقاطعة العربية (لعلّ الذكرى تنفع) التي كانت في مرحلة من مراحل الصراع العربي - الإسرائيلي تُماثل بأهميتها وقيمة نتائجها حرباً عسكرية.. حرباً أوصلت «إسرائيل» في السبعينيات إلى حافة إفلاس لم يُنقذها منها إلا تدخل طارئ من الولايات المتحدة.. دعونا نستعرض مجدداً كيف تحولت هذه المقاطعة إلى تطبيع مجاني مع العدو من جهة، وإلى سلاح يشهره بعض العرب في وجه بعضهم الآخر من جهة ثانية.. كم كان مخزياً وعاراً على جامعة الدولة العربية التي قاطعت مصر عقاباً وغضباً منها لتوقيعها اتفاقية « كامب ديفيد» مع العدو الإسرائيلي عام 1978 لتعود الجامعة نفسها بعد 33 عاما- في 2011- لتعاقب سورية بالتجميد والمقاطعة لأنها ترفض الرضوخ لهذا العدو وتأبى الانخراط في تحالف المطبّعين معه والذين باعوا بأبخس الأثمان فلسطين وأهلها وكل الأمة.. ما الذي تغير في 33 عاماً لـ«تتأرنب» الجامعة العربية في مواجهة «إسرائيل» وكيف حدث أن دمر العرب بأيديهم أحد أقوى أسلحتهم، وكيف قادت قاطرة «كامب ديفيد» أغلب العرب وأبرزهم وزناً وحضوراً - رغماً أو طوعاً- إلى فخ إنهاء المقاطعة والسير في طريق التطبيع المجاني.

 

ليس في غفلة عن الأمة – كما يحلو للبعض أن يعتقد أو يتوهم – بات عرب الجامعة وعلى رأسهم السعودية يتوددون علناً للمسؤولين الإسرائيليين، وليس مصادفة أنهم يوجدون معهم في القاعات نفسها التي تستضيف مؤتمرات ونشاطات مخصصة في جُلِها لتمرير ما يُراد إعلانه من ذلك التطبيع الكامل المستتر مع العدو الذي لم يعد عدواً بالنسبة لهم. تبادل التحيات والأحاديث معه بات ضمن الواجبات الدبلوماسية إن لم نقل الاجتماعية باعتبار أن أولئك العرب يضعون أنفسهم مع «إسرائيل» على جبهة المصالح والأهداف ذاتها. طبعاً لا يصرحون بذلك علناً لكن «إسرائيل» تفعل، وتكاد في لحظة ما أن تجاهر بأن السعودية مثلاً تتقدم «أصدقاءها العرب» حسب تعبير نتنياهو، والسعودية اليوم ترعى وتمول وتسلح كل إرهابي في سورية والعراق «لإسقاط» آخر قلعتين صامدتين في وجه «إسرائيل». السعودية ومنذ مؤتمر حوار الأديان - الذي رعته عام 2008 في العاصمة الاسبانية مدريد وكانت «إسرائيل» أبرز المشاركين فيه - منذ ذلك التاريخ دفعت السعودية بعرب الجامعة أشواطاً على طريق إنهاء مقاطعة «إسرائيل» وأكثر من ذلك مقاطعة من يقاطعها والعمل على إسقاطه، ولأن سورية فقط ومعها لبنان – المقاومة، هي من بقي على التزامه وتمسكه بالمقاطعة «كان لا بد من إسقاطها». سبق أن حاولوا ذلك عام 2006 مع المقاومة وفشلوا، فعمدوا إلى تغيير التكتيك «لإسقاط سورية» أولاً ما يضعف المقاومة اللبنانية فتسقط تلقائيا.

لم يسأل أحد السعودية وقبلها قطر والأردن والمغرب وغيرها ممن «وقف بالدور» منتظراً الأوامر بتنفيذ مهمته في إطار الحرب الإرهابية على سورية.. لم يسألهم أحد لماذا يدعوننا إلى مقاومة «إسرائيل» «بطريقة حضارية وسلمية» على حد تعبير جماعة «14 آذار» في لبنان، وفي الوقت نفسه يدعوننا ويدعون العالم لدعم كل أنواع العنف والإرهاب ضد سورية؟!

الجواب في ذلك الانكشاف العربي الذي ظهر فجاً وقحاً خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006، ولأن هذا الانكشاف بهذه الطريقة كانت مخاطره أكبر من فوائده، إذ لا يزال الرأي العام العربي الشعبي يدعم المقاومة ويرفض كل أشكال التطبيع مع «إسرائيل»، كان لا بد من ستره قليلاً، فتم تفصيل «ربيع» على مقاس أنظمة الانكشاف العربي وتم تصنيع أنظمة على شاكلتها تعمل أداةً طيعة للولايات المتحدة و«إسرائيل»، هذه الأنظمة لم يعد خافيا- وهي لم تخف أيضا- أن هناك تفاهمات مشتركة بينها وبين واشنطن على أن تضع حداً لمقاطعة «إسرائيل» وبصورة قطعية وعلنية وتشريع ذلك دستورياً (في تونس ألم يقل راشد الغنوشي خلال إحدى زياراته لواشنطن: لا معاداة «لإسرائيل» في الدستور الجديد، وفي مصر لم يكف الإخوان المسلمون قبل خلعهم عن القول إنهم لن يلغوا «كامب ديفيد» الاتفاقية التي هزت أركان المقاطعة العربية وقادتها إلى ما تشهده اليوم من انهيار تام، وفي مقابلة برهان غليون مع صحيفة «وول ستريت جورنال» في 2-12-2012 يقول: «إنه سيعيد توجيه السياسات السورية بعيداً عن محور المقاومة وعن المواجهة مع «إسرائيل» وأنه سيحرر الجولان من خلال علاقاته الشخصية مع القوى الغربية والأوروبية، ألم يتبرأ رياض الشقفة و«إخوانه» من سوريّة لواء اسكندرون ويعلنه «أرضاً تركيّة»... والأمثلة كثيرة جداً وصولاً إلى ما أصبحنا عليه من تكريس حالة تقول: إن استمرار الحديث عن الصراع العربي - الإسرائيلي وعن المقاومة والمقاطعة أو حتى مجرد تقطيب الحواجب للعدو الإسرائيلي «يتناقض مع الديمقراطية والحرية والتعبير عن الرأي» وهو وقوف مع الديكتاتورية والاستبداد والفساد التي «ناضل الربيعيون العرب» لطرد أنظمتها؟!

أقوى الأسلحة

 

يقول المحامي الأميركي الأشهر بول مكارثي: إن العرب حطموا بأنفسهم أهم وأقوى أسلحتهم وهو التضامن العربي، هذا التضامن مكنهم من تنفيذ أخطر تهديدين للعالم و«إسرائيل»: الأول مقاطعة «إسرائيل» والثاني قطع النفط في حرب تشرين التحريرية 1973، وهو ما صوّر القادة العرب أبطالاً قوميين في نظر شعوبهم وشعوب العالم. اليوم أصبح أغلبهم يرتبط سراً أو علناً «بإسرائيل» ضارباً عرض الحائط بكل الحسابات الوطنية أو القومية أو الدينية أو الأخلاقية، وبات التضامن العربي مجرد ديكور، ولم يبق للعرب ما يخيفون به أعداءهم أو حتى ما يحمون به أنفسهم، أيضاً لم يبق بين أيديهم ما يقدمونه لحلفائهم بعدما ارتضوا التبعية لهم.

إذاً المقاطعة – ولاسيما في وجهها الاقتصادي - هي سلاح الأقوياء والجميع يعلم بأن الاستعمار لطالما ارتبط قيامه وبقاؤه بأطماع اقتصادية، وأن الاقتصاد هو أساس الهيمنة وإخضاع الآخرين. وسلاح المقاطعة استخدم تاريخياً على مستوى العالم ولم يكن حكراً فقط على العرب وقد استخدمته الدول والشعوب والأفراد على حد سواء. وبعد انتهاء الحرب الباردة كانت المقاطعة ممثلة بالعقوبات أحد أهم الأسلحة في يد الولايات المتحدة لاستمرار نفوذها السياسي وسيطرتها على قرارات الدول، وهي تعد ذلك أمراً مشروعاً وحقاً سيادياً لها لكنها في الوقت نفسه تنكره على غيرها، فلم تترك وسيلة ضغط إلا واستخدمتها لإسقاط المقاطعة العربية.

المقاطعة حق سيادي

 

عندما أقرت جامعة الدول العربية رسمياً مقاطعة «إسرائيل» 1945 كان الهدف عزل كيان الاحتلال اقتصادياً من قبل الدول العربية من جهة وثني الدول غير العربية عن دعمه بالاستناد إلى حتمية التقاطعات الاقتصادية بين الدول حيث تؤدي المقاطعة العربية لشركة أو منتج أو منظمة أو هيئة من نوع ما أو حتى دولة تتعامل مع «إسرائيل» إلى خسارتها أسواق 22 دولة عربية، وهذا ليس بالأمر الجيد لأي دولة أو جهة اقتصادية.  على أن المقاطعة العربية بدأت شعبياً قبل إقرارها رسمياً من الجامعة العربية. بدأت في عام 1920 في نابلس أي قبل 28 عاماً من قيام كيان الاحتلال عندما كان الانتداب البريطاني لا يزال قائماً على فلسطين. في ذلك العام عقدت الجمعية الإسلامية - المسيحية مؤتمرها الدوري وفيه دعا وجهاء فلسطين ومزارعوها إلى «مقاطعة اليهود مقاطعة تامة » اقتصادياً واجتماعياً رداً على أذاهم المتواصل، وشهدت هذه المقاطعة نجاحاً كبيراً لتمتد خارج فلسطين وتتخذ بعداً إقليمياً واسعاً في عام 1929 إذ عقد مندوبون من سورية وشرق الأردن ولبنان وفلسطين اجتماعاً لهم في القدس تعهدوا فيه بمقاطعة كل تجارة لليهود.

التطور الأهم في مسار المقاطعة العربية كان خلال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 ضد الاستعمار البريطاني، إذ تشكلت لجان مقاطعة في سورية ولبنان والأردن لمنع إرسال البضائع والسلع إلى فلسطين ما لم تكن مقترنة بموافقة اللجان القومية التي كانت تقود آنذاك الإضراب والعصيان العام في فلسطين لمنع تسلل البضائع والسلع العربية إلى أيدي اليهود في فلسطين.

وفي عام 1973 اتسعت حدود المقاطعة لتأخذ بعدها الأشمل، وذلك خلال المؤتمر القومي العربي الذي عقد في سورية وحضره مندوبون من العراق والأردن ولبنان والسعودية ومصر وفلسطين، وتم فيه إقرار مقاطعة بضائع الدول الأجنبية التي تدعم مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين.

ثم كان التحول الثاني الأكثر أهميةً في مسار المقاطعة العربية بانتقالها من المستوى الشعبي إلى المستوى الرسمي، فقد تبنتها الجامعة العربية بقرار رسمي في جلسة عقدتها في 2/12/1945 وشكلت لجنة دائمة للإشراف على التنفيذ، ثم تقرر تشكيل مكتب دائم لذلك، ولجان في جميع الدول العربية مهمتها العمل على متابعة سياسة المقاطعة وتنفيذها.

وفي 11- 12- 1945 تمت صياغة الإطار القانوني والتنظيمي للمقاطعة الذي يتضمن قيام مكتب رئيس مقره دمشق، يديره مفوض عام، يعيّنه الأمين العام للجامعة العربية، ويرتبط به، مهمته تأمين الاتصال بالمكاتب المختصة بشؤون المقاطعة في الدول العربية بهدف تنسيق أعمالها، واستمرار أنشطتها، ثم يرفع تقارير دورية، أو طارئة إلى الأمانة العامة عن سير المقاطعة لعرضها على مجلس الجامعة، ويعاون المفوض العام مندوب عن كل دولة بصفة ضابط اتصال تعينه دولته، وللمكتب ضباط اتصال في أنحاء مختلفة من العالم.

ويقوم في كل دولة مكتب خاص بشؤون المقاطعة، وتوفر الدولة المعنية الأشخاص القائمين عليه وتجهيزاته الفنية، ويكون المكتب على صلة وثيقة بالمفوض العام لمكتب المقاطعة، ويعمل تحت رعايته ووفقاً لتوجيهاته.. وينعقد مرتين كل عام وبصفة دورية مؤتمر ضباط اتصال المكاتب الإقليمية، كما يمكن عقد اجتماعات استثنائية أو طارئة بدعوة من المفوض.. وتحتفظ لجنة المقاطعة العربية بمشروعيتها في مختلف المواثيق والأعراف الدولية، فقد أعطى ميثاق الأمم المتحدة مشروعية للمقاطعة الاقتصادية، ومنها مقاطعة العرب «لإسرائيل»، فحسب المادة 51: «ليس في هذا الميثاق ما يُضعف أو يُنقص من الحق الطبيعي للدول -فرادى وجماعات- في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة>. وأشار الميثاق إلى حق الدول في وقف المواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية ووقف كل العلاقات الاقتصادية.. وهو ما يؤكد أن المقاطعة العربية ضد «إسرائيل» إجراء مشروع.. كما أن مبادئ حرية التجارة التي أقرتها منظمة التجارة الدولية تقوم في الأساس على مبدأ «العقد شريعة المتعاقدين»، وهذا يعني أن الدول العربية لديها الحرية في أن تضع في العقود التي تريد إبرامها مع الدول الأخرى الشروط التي تتمشى مع حقوقها ومصالحها، ومنها أن تشترط على هذه الدول عدم التعامل مع «إسرائيل» تجارياً أو مالياً، ويكون لهذه الدول حق القبول أو الرفض لهذه الشروط.

تغطي المقاطعة العربية ثلاثة مستويات:

1- البضائع والخدمات المصدرة من «إسرائيل»

2- الشركات غير العربية التي تتعامل مع «إسرائيل».

3- الشركات التي تشحن بضائعها من خلال المنافذ الإسرائيلية.

هددت المقاطعة من الدرجتين الأولى والثانية جميع الشركات غير العربية وكان يكفي ثبوت تعاملها مع «إسرائيل» ليتم وضعها على القائمة السوداء وشمل هذا حتى الفنانين والموسيقيين والأكاديميين الأجانب إذا ما تم عدهم داعمين أو متقاربين معها. وشملت المقاطعة رفض دخول أي شخص يحمل جواز سفر إسرائيلياً أو يحمل جوازه ختماً إسرائيلياً.

التطبيق والنتائج

 

في مرحلة ما نُفذت هذه المقاطعة من كل الدول العربية فكانت السلاح الفتاك النافذ الذي أصاب «إسرائيل» في مقتل عبر إظهارها كـ«غيتو» معزول عن المنطقة من جهة، بينما وصلت خسائرها مع الشركات التي تتعامل معها إلى عشرات مليارات الدولارات من جهة أخرى، ما اضطر الولايات المتحدة إلى التدخل عبر فرض سلسلة تشريعات منها تشريعان أقرهما الكونغرس الأميركي عام 1977 ويفرضان غرامات مالية وأحكاماً بالسجن على كل من يتعاون مع المقاطعة العربية: شركات ومجموعات ومنظمات وحتى أفراد، وقد تم تشكيل مكتب خاص لمراقبة تطبيق هذا التشريع سُمي مكتب «الامتثال ضد المقاطعة» وكان جزءاً من وزارة التجارة الأميركية، رغم ذلك فضل الكثير من الشركات مثل «ماكدونالد» دفع الغرامات على أن تخسر عملها وأرباحها في المنطقة العربية. كما أن قلة من الدول فقط تبعت أميركا في هذه الإجراءات. بريطانيا رفضت تمرير أي تشريع ضد المقاطعة العربية وكانت اليابان الأكثر تعاوناً ودعماً لهذه المقاطعة.

سرعان ما أدركت واشنطن عقم هذه التشريعات فكان لا بد من الالتفاف عليها وإسقاطها على مبدأ «معالجتها بالتي كانت هي الداء» أي على «إسرائيل» أن تبتعد مؤقتاً عن أسطورة «أنها لا تقهر» وأن «على الجميع الخضوع لمشيئتها».

وهذا يستدعي إعادة تطبيع العلاقات وتظهير التطبيع (بالخداع والمناورة) كعلاقة ندية بين العرب و«إسرائيل»، وهكذا كانت اتفاقية «كامب ديفيد» التي ضربت عميقاً في أساس المقاطعة وانتزعت منها مصر ذات الثقل العربي الأكبر والأهم مع سورية. بعدها تحول التطبيع إلى هدف أميركي استراتيجي معلن، لكن الأمر لم يكن سهلاً كما توقعته واشنطن وكما كان في اتفاقية كامب ديفيد. لقد احتاج توجيه الضربة الثانية للمقاطعة العربية 15 عاماً ليتم توقيع اتفاق أوسلو مع الجانب الفلسطيني 1993، والضربة الثالثة بعدها بعام واحد (1994) مع توقيع اتفاقية وادي عربة مع الأردن.. في عام 1994 تحديداً طرح شيمون بيريز مشروع «إسرائيل» للمنطقة في كتاب بعنوان «نحو شرق أوسط جديد».

من «كامب ديفيد» إلى «أوسلو»

 

خلال الفترة من «كامب ديفيد» إلى «أوسلو»، سعت واشنطن إلى تطويق الدول العربية اقتصادياً عبر ربطها بمؤتمرات شرق أوسطية مشروطة بحضور «إسرائيل»، وبمنظمات عالمية اتخذت وجوهاً متعددة أخطرها كان تجارياً - منظمة التجارة العالمية مثلاً - «إسرائيل» عضو في كل هذه المنظمات وأي دولة عربية تنضم إليها عليها أن تسقط تلقائياً المقاطعة تبعاً لقوانين هذه المنظمات.

قبل توقيع اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة كان هناك المنعطف العربي الأخطر الذي رسم كل ملامح ما شهدته الساحة العربية بدءاً من هاتين الاتفاقيتين، وهو من وضع السكين على عنق المقاطعة العربية لتجزّها وسط تهليل ما سمي محور الاعتدال الذي كان في بداية تشكله..هذا المنعطف تمثل بحرب الخليج الثانية 1990 التي قاد إليها الاجتياح العراقي للكويت، وانعكس مباشرة على المقاطعة العربية لأنه أثر جذرياً فيها بفعل أن نتائجه الكارثية توزعت على ثلاثة مستويات: الأول تكريس حالة من الانقسام العربي غير مسبوقة قادت إلى وهن الأمة وتهافت دول فيها على توقيع اتفاقيات مهادنة وتخاذل مع «إسرائيل»، والثاني توسيع النفوذ الأميركي وتعزيز حضوره العسكري المباشر ولاسيما في منطقة الخليج،والمستوى الثالث هو مبادرة مدريد 1991 التي دشنت المرحلة الثانية بعد كامب ديفيد لاستكمال مسيرة التنازل عن المقاطعة العربية. بعد هذا العام بدأت دول عربية تتحدث عن تخفيف المقاطعة وتُدرجه في إطار «حسن النيات» بينما عدّت دول أخرى أنها صارت من الماضي وتعوق عملية تقدم وتطور الدول العربية.

بعد اتفاق أوسلو - الذي أسس لقيام السلطة الفلسطينية وأخرجها في الوقت نفسه من دائرة المقاطعة - أصدرت الجامعة العربية قراراً بإلغاء المقاطعة من المستويين الثاني والثالث.. هكذا بكل بساطة. وهو ما دفع الدول الأجنبية المتعاونة والمتضامنة مع القضية الفلسطينية إلى إسقاط مقاطعتها وفتح أسواقها للمنتجات الإسرائيلية التي بدأت تجد طريقها إلى الدول العربية عبر تغييب اسم «إسرائيل» عن الخانة الخاصة بدول المنشأ، وهكذا عادت الأموال لتتدفق إلى خزائنها فحلقت معدلات النمو فيها وبشكل تجاوز عشرات المرات النمو في الدول العربية. منذ أوسلو توقفت مكاتب المقاطعة عن العمل، باستثناء مكاتب سورية ولبنان والعراق وليبيا. كانت أوسلو الذريعة التي علق عليها عرب التطبيع كل تقارب مع «إسرائيل» الذي لم يتوقف عند إنهاء المقاطعة. بعد عامين فقط من أوسلو أي في 1995 دشنت قطر- عقب انقلاب الحمدين - مسيرة العلاقات الرسمية بما سمته مكتب علاقات تجارية ولم يمض كثير من الوقت على ذلك لنشاهد شيمون بيريز يجول في أسواق الدوحة ويسلم على الناس ويتبادل التحيات معهم. لقد باتت «إسرائيل» في عقر دارنا وانتشرت قواعدها العسكرية الأميركية على مساحة خليجنا العربي ليتم توجيه ضربة أخرى للمقاطعة بضرب العراق الذي تمت مقاطعته خليجياً 13 عاماً تزامناً مع الحصار الأميركي.

مصر مرة أخرى

 

بعد العراق وفي عام 2005 تحديداً جاء دور مصر مرة أخرى، فإنهاء المقاطعة استمر رسمياً ولم يتحول شعبيا، بل إن المصريين التفوا على كامب ديفيد بتشكيل لجان ومنظمات وهيئات أبقت المقاطعة حية وقوية، وعليه كان لابد لأميركا و«إسرائيل» من العمل على هذا المستوى الشعبي، فعمدت إلى تشكيل لجان ومنظمات وهيئات مضادة تحت اسم «المجتمع المدني»، والمجتمع المدني للتذكير مجدداً مؤسسه هو الملياردير اليهودي جورج سوروس الذي استولده في صربيا لإسقاط الدولة فيها استكمالاً لتقسيم المقسم من الاتحاد اليوغسلافي وصولاً إلى تطويق روسيا في الهدف النهائي. ومع نجاح «المجتمع المدني» في صربيا تم نقله إلى دول أخرى ومنها الدول العربية بدءاً من مصر مع حركة «كفاية». من هنا بدأ استهداف الشعب بالفوضى والعنف والإرهاب. بالتزامن بدأت الولايات المتحدة سراً مع السعودية تشكيل مجموعات مسلحة ( فتح الإسلام وجند الشام) لاستهداف سورية بدءاً من لبنان، ففي سورية التزام شعبي ورسمي بمقاطعة «إسرائيل» لم يهتز قيد شعرة منذ إقراره في ثلاثينيات القرن الماضي. وكان عدوان تموز 2006 على لبنان أجبر السعودية على كشف تورطها في هذا المخطط، إذ هدد انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية بكشف ما كان يُدبر لسورية منذ مرحلة التحضير لغزو العراق لناحية وضعها أمام خيارين إما التوقيع على «سلام الضعفاء» مع إسرائيل وإما التدمير.

الدور السعودي

 

في عام 2008 خطت السعودية خطوتين واسعتين باتجاه المجاهرة بالتقارب مع «إسرائيل»، الأولى مع مؤتمر حوار الأديان الذي نظمته في العاصمة الاسبانية مدريد ودعت إليه حاخامات إسرائيليين التقاهم الملك عبد الله علناً وأمام وسائل الإعلام، والثانية مع حوار الحضارات والأديان الذي نظمته الأمم المتحدة في نيويورك وشارك فيه الملك عبد الله إلى جانب رئيس الكيان الإسرائيلي شيمون بيريز في سابقة تلاها مباشرة عشاء جمعهما ولكن من دون تبادل للأحاديث أو التحيات، رغم ذلك كان هذا كافياً لبدء تحضير الجمهور العربي للقاءات وتطورات لاحقة على هذا الصعيد. مؤتمرات من هذا النوع كانت ضرورية للسعودية لتقديم تقاربها مع كيان مازال يحتل الأراضي العربية بأقل ما يمكن من الخسائر المعنوية والشعبية، وبشكل لا يلحق ضرراً بالغاً بمكانتها في الأمة والعالم الإسلامي. الجميع فهم الرسالة، والكثيرون جاهروا علناً بأن ما جرى في مدريد ونيويورك هو تطبيع سعودي - إسرائيلي بامتياز، فكيف للسعودية أن تكون جزءاً من حوار ديني وحضاري وهي الموصوفة من الغرب نفسه بمملكة الظلم والظلام الذي لا يؤمن بحوار ولا يعترف بدين إلا دين الوهابية الذي يعم إرهابه منذ سنوات العراق والشام.

منذ مؤتمر نيويورك، انطلقت تحذيرات المراقبين والمحللين من أن الأمة دخلت نفقاً جديداً لن يكون مستغرباً ولا مستبعداً أن نرى في نهايته أعلام الاحتلال الإسرائيلي ترفرف على أراض عربية جديدة، (ألسنا الآن في نهاية مرحلة غسيل أدمغة الشعوب العربية بثقافة السلام المزعوم الذي بات الهمّ الأكبر لعرب الجامعة، وفي نهاية مرحلة تشكيل عدو جديد غير العدو الإسرائيلي..عدو شقيق وعدو حليف).

عامان ونصف العام فقط بعد مؤتمر نيويورك. انطلق ذلك «الربيع العربي» ليعيد توجيه سلاح المقاطعة إلى قلب العروبة النابض.. سورية، البوابة الأخيرة المغلقة في وجه «عرب الاعتدال» لتسليم كل الأمة «لإسرائيل».

في منتصف تشرين الثاني الماضي (2013) ظهر شيمون بيريز على منصة 29 وزيراً من دول عربية وإسلامية، عبر «السكايب» خلال مؤتمر أمني استضافته الإمارات، ليخطب فيهم ويعلمهم «السلام» على الأصول الإسرائيلية، وعندما انتهى صفق الوزراء بحرارة.. موافقين.. المؤامرة مستمرة.

إعــــــــــــلان دمشــــــــق

 

 

طوال عشر سنوات بعد توقيع اتفاق أوسلو 1993 أخفق مكتب المقاطعة المركزي في عقد اجتماعاته بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، بسبب امتناع عدة دول عربية عن الحضور لأنها أنهت المقاطعة أو ارتبطت باتفاقيات مع «إسرائيل».. وفي 27- 1- 2003 نجحت سورية في عقد اجتماع له صدر في ختامه بيان أكد «أن استخدام سلاح المقاطعة هو الرد الطبيعي على الحرب المعلنة والعدوان المتواصل على الأمة بصرف النظر عن الجدوى الاقتصادية، وأن المقاطعة حاجة لا بد منها لتربية الأجيال على فكرة الممانعة والمقاومة وتحصينها من السقوط في هاوية الاستسلام».. هذا البيان بقي حبراً على الورق ولم يلتزم به أي من «عرب الاعتدال» الذين كانوا قد وصلوا نهاية الطريق في التخلي عن المقاطعة.

بعــــــــــــد «أوســـــــلو» 1993

 

 

وقعت الأردن مع «إسرائيل» اتفاقية وادي عربة 1995 وأنهت مقاطعتها لها، بالتزامن تخلت السلطة الفلسطينية التي شكلتها اتفاقية أوسلو عن المقاطعة، تبعتها عدة دول خليجية وصولاً إلى عام 1997 إذ أعلن مجلس التعاون الخليجي - بدوله الست - رسمياً إنهاء المقاطعة من المستويين الثاني والثالث.. الفترة نفسها شهدت علاقات دبلوماسية بين «إسرائيل» وقطر والمغرب وموريتانيا وسلطنة عمان.

في 2005 أعلنت البحرين انسحابها التام من المقاطعة في سبيل موافقة واشنطن على توقيع اتفاقيات تجارة حرة بين البلدين، وفي عام 2007 قامت السعودية بالمثل وذلك ضمن طلبها الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وهي كغيرها من المنظمات العالمية (إسرائيل عضو فيها) ليس فيها نظام مقاطعة.

في 16 أيار 2006 أي قبل شهرين تقريباً من العدوان الإسرائيلي على لبنان، صرحت مصادر في مكتب المقاطعة المركزي في دمشق أن معظم الدول العربية خاصة السعودية تتهرب من مقاطعة «إسرائيل» وقالت: المقاطعة تراجعت كثيرا،إنها تقترب من الانهيار، يجب ألا نكذب على بعضنا بعضاً.. المقاطعة شبه مشلولة.

s.n.t



إضافة تعليق :

الإسم :

التعليق :