بعد أربعة عشر عاماً من العدوان الأمريكي على العراق الشقيق واحتلاله، وفرض مخططه لتدمير البلاد، وتكفيك الدولة، وتمزيق الشعب وما أدى إليه من إشعال نار الفتنة في العراق وامتدادها إلى دول الجوار، وما واكب هذا من تصعيد وتيرة العنف في المنطقة وتغليفه بشعارات «الحرية، والخلاص والديمقراطية»، ضمن الحركات التي سميت باسم محدد ومجهز أطلق عليه «الربيع العربي»، فإن المحصلة النهائية كانت هزيمة مشروع العدوان، وانسحاب القوات الأمريكية من العراق من دون قيد أو شرط، وسقوط قيادة العدوان في الولايات المتحدة ، وظهور وجوه سياسية عارضت العدوان والحرب وبدأت تأخذ في سياستها منحى عدم التدخل العسكري، وعدم الانجرار إلى الحروب العدوانية التي قام عليها تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.
وليس استخدام الولايات المتحدة الحروب العدوانية ناشئاً من استدراج الدول الأخرى التابعة لها –في أغلبها- والعاجزة عن اتخاذ قرار حقيقي جريء مستقل، ولكنه ناتج من روح العدوان التي نشأت عليها تلك الدولة، ومن استغلال خطير للضغوط التي تخدم أهداف المشروع الصهيوني في المنطقة، وهذا ما جرى في العراق حيث حُلّ الجيش العراقي، وضُربت مؤسسات الدولة بشكل كامل، وهزيمة العدوان تحققت بعد موقف الشعب العراقي في رفض العدوان والفتنة، وظهور المقاومة الشجاعة التي استهدفت العدوان، وقواته، وأدواته، وأوقعت به الخسائر الفادحة، فأسقط مقولة الديمقراطية الزائفة، والرفاهية الخادعة التي رفعها المعتدون وأتباعهم، ومن جهة أخرى حاول المعتدون، عبر الشركات الأمنية الخاصة وأياديهم في الداخل، تشويه صورة المقاومة الباسلة والسعي لاختراقها، ووصمها كما اعتادوا بـ«الإرهاب والإجرام»، والدفع ببعض عملائهم إلى ممارسات خطيرة بدأت تأخذ أبعاداً تقسيمية طائفية، بل أسسوا جهات تزعم أنها من المقاومة، ولكنها تستهدف الشعب، والناس، بل المقاومين الشرفاء الصادقين أنفسهم.. فكم من مواطن شريف استهدف بالتشهير والتصفية لرفضه الانجرار إلى مخطط الفتنة الإرهابية.
والحروب التكفيرية الطائفية جاءت خدمة للعدو الصهيوني الذي يقف متفرجاً على نتائجها ويرصدها بترقب، ضمن هذا الجو الذي اصطنع بخطة محكمة، بدأت الحركات الإرهابية بالظهور وبدأت الأحداث بالتصاعد عبر ما يسمى «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين»، ثم ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي، وهو ما أدى إلى تصدير العنف إلى سورية، ومحاولة توسيع دائرته، وإدارة التوحش فيه بأقصى الأشكال..
وجاءت الأحداث في سورية والعراق، وجاء تدخل الدول الذي ساهم في كل مشاريع العدوان بدءاً من احتلال العراق والهجوم على ليبيا واليمن وإطلاق حرب «إرهابية» ضد سورية.. لكن مع استمرار المواجهة وانكشاف آفاق المخطط الصهيو- أمريكي وأهدافه، حتى لمن خدعوا به في البداية، فإن هذه الموجة بدأت بالانحسار بعد تلاشي الحواضن التي انساقت وراء خديعة الأعداء في البدايات، حيث خُدعت بالشعارت المشوّهة للدين والمعادية للإنسانية.
واليوم، نحن في سورية في تطور عظيم يدرك كل أبعاد المخطط الذي جاء لمعاداة الشعب كله ولتدمير حضارته ومستقبله، كما صار واضحاً لمن يرى بعينيه أن خطط الإرهابيين والتكفيريين ليست في مصلحة أحد داخل هذه الأمة بل هي لمصلحة أعدائها التاريخيين الصهاينة أولاً، والإدارة الأمريكية ثانياً.. ولمّا كنا على مفترق طريق محفوف بالمخاطر، علينا التمسك بالوعي والعمل على متابعة التصدي لهذه الهجمة الشرسة من أجل حفظ سورية والنهوض في بنائها، وذلك من خلال التمسك بثوابت العمل الوطني المكرس لوحدة سورية وهويتها وانتمائها العروبي، لأنها هي الصامدة، والمستهدفة لتأييدها المقاومة الوطنية اللبنانية، وكذلك تأييدها الحق العربي في فلسطين العربية المحتلة، التي كانت، ومازالت، تعدها البوصلة الأولى في كل توجهاتها.