حذّر الباحثون من مخاطر سد النهضة الإثيوبي على الأمن القومي العربي, ولاسيما بعدما تردد إلى الأسماع حجم الخسائر الكبيرة التي ستتكبدها مصر والسودان في حال عدم التزام الطرف الثالث الإثيوبي ببنود القوانين والاتفاقات الدولية لتقاسم المياه بين الدول المتشاطئة والتي تضمن آلية سير صحيحة للاستفادة المشتركة بين الأطراف المعنية.
فعلاً هناك مخاطر كبيرة على عدم التزام دولة المنبع بالاتفاقات ستتكبدها دول المصب, لكن هناك من يشي بأن الأطراف المتشاركة توصلت إلى اتفاق إطاري يضمن المصالح المشتركة وستلتزم كل منها بهذا الاتفاق من أجل تعزيز مصالحهم والارتقاء بها, لأن التوافق والالتزام بالتعهدات يخدم جميع الأطراف, ولكن ما الضمانات التي تدفع الجميع إلى الالتزام وخاصة الطرف المستفيد الأكبر المؤثر في الأطراف الأخرى المستفيدة ويؤثر إلى حد الإخلال في مصالح الأطراف الأخرى, أو ربما ابتزازها.
هناك أسئلة لابد من طرحها إذا تم التوافق على استمرار بناء سد النهضة بتكاليفه الكبيرة وبعد إتمام البناء وتعبئة البحيرة خلف السد التي تستغرق زمناً ليس قليلاً وسيكون ذلك على حساب دول المصب مائياً, كي يتم التمكن من الإفادة من السد لأغراض توليد الطاقة الكهربائية التي يقول الجانب الإثيوبي إنه أنشئ أساساً لهذا الغرض وكذلك لأغراض أخرى لاتقل أهمية عن ذلك, وبعد كل ذلك لابد من تساؤلات ضرورية للفت الانتباه على أقل تقدير ولاسيما بعد اكتمال الصورة: ما الضمانات ومن الضامن لالتزم الأطراف ولاستمراريته وأيضا لاستمرارية بقاء المصالح المشتركة دون إخلال أو ابتزاز من الطرف الأقوى المستفيد للآخرين؟ وما آلية ضمان الحقوق مستقبلاً وخاصة أن أيادي خارجية تتدخل وقد تستغل الظرف للابتزاز السياسي أو الاقتصادي وربما الاجتماعي؟.
مع ذلك، هل نستطيع القول: ان صفحة الخلافات انتهت؟ وهل فعلاً طويت صفحة الأزمة القائمة منذ سنوات بين كل من مصر وإثيوبيا والسودان بخصوص بناء سد النهضة الإثيوبي على نهر النيل، أم إنه لاوجود لأزمة بين الدول المتشاطئة وفق ما أعلنته مصر مؤخراً من خلال رسالة بعثها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي طمأن فيها شعوب مصر والسودان وإثيوبيا بمدى قوة ومتانة العلاقات والتعاون بين الدول، معتبراً أن هذه الدول تتحدث بصوت واحد بخصوص هذا الملف الشائك وهو صوت المصلحة المشتركة
في اعقاب القمة الثلاثية التي جمعت الرئيس السيسي ونظيره السوداني عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا هيالي ميريام ديسالين في أديس أبابا على هامش القمة الإفريقية، ظهر الزعماء الثلاثة متشابكي الأيدي كدليل على روح التعاون الإيجابي والتضامن فيما بينهم وقال السيسي: إنه «لا ضرر على مواطني أي دولة من الدول الثلاث فيما يتعلق بقضية المياه» نافياً وجود أزمة فيما بينها بشأن السد بقوله: «لم تكن هناك أزمة من الأساس» في إشارة إلى أفول الخلافات القائمة على خلفية سد النهضة ودامت سنوات، بينما وجه الرئيس السوداني عمر البشير خلال لقاء صحفي بعد عودته من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في 30/1/2018 رسالة مهمة للمصريين أكد فيها أن بلاده حريصة على عدم وجود علاقة متوترة مع مصر، وأن الخرطوم مستعدة للتعاون مع القاهرة لأقصى الحدود «السودان يفتح صدره لكل شقيق يحترم سيادة السودان ويعترف بحقه في رعاية مصالحه من دون المساس بمصالح الآخرين ومستعد للتعاون معها لأقصى الحدود مع الاحتفاظ بحقه في استخدام جميع الوسائل التي تحمي مصالحه».
مراقبون أثاروا تساؤلات وإشارات استفهام بشأن ماتم الإعلان عنه كما تشير المعطيات والرسائل والتصريحات وإمكانية تطبيقه واستمراره على أرض الواقع، فهل أزيلت الخلافات والهواجس بين الأطراف وفتحت صفحة جديدة من العلاقات تختلف عما كانت عليه قبل عقد القمة الثلاثية؟ أم إن شكوكاً مازالت تراود كثيرين حول تجاوز الخلافات – برغم تراكمها- بزمن قياسي أنهته قمة أديس أبابا الثلاثية؟ في وقت يظن فيه بعض المتابعين أن ما تم إعلانه هو ربما للتوظيف الإعلامي لغايات محددة أرجعها لدوافع إما انتخابية وإما سياسية؟!
وفي كل الأحوال نأمل أن تزال كل العوائق وأن تحل كل القضايا الخلافية للتوصل إلى ما تتمناه شعوب تلك الدول من ضمان حقوقهم وتحقيق مصالحهم المشتركة في التنمية المستدامة، ولكن ما الضمانات والضوابط التي تجعل الأطراف ملتزمة بما تم التوافق عليه حالياً ومستقبلاً؟ ومَن الخاسر الأكبر في حال تم إخلال من أي طرف من الأطراف بالتزاماته وما البدائل المتاحة وكيفية وآلية تحقيقها؟.
بداية المشكلة 
كتب العديد من الأبحاث والمقالات والكتب وأذيع الكثير من الأنباء بالاستناد إلى معطيات ملموسة في الواقع عن أن هناك جملة مخاطر تهدد الأمن القومي العربي ومن بينها أزمة المياه ولاسيما أن معظم الدول العربية متشاطئة على أنهار عابرة مع دول الجوار العربي ويتم استغلال هذا الأمر من أنظمة جارة و من دول غربية وكيانات لغايات اقتصادية واجتماعية وسياسية، هدفها تضييق الخناق على دول المرور أو المصب العربية لابتزازها لأسباب باتت معلومة ومفهومة، ولكيلا نطيل الحديث في المبهم لابد من الإشارة إلى لب الموضوع في أزمة المياه المفتعلة والمتعمدة التي تجلت بتهديد بعض دول الجوار العربي المصدر والمنبع الرئيسي للمياه المغذية للأنهار التي تمر أو تصب في بعض الدول العربية بإقامة سدود في مناطق تغذية المياه بطاقة تخزينية عالية تحرم العرب من حصتهم الرئيسة من المياه وانعكاس ذلك بشكل واضح على حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومن بين هذه السدود سد النهضة الإثيوبي.
وسد النهضة هو مشروع يقع على النيل الأزرق في ولاية بني شنقول في إثيوبيا، وفي حال اكتمال إنشائه سوف يصبح أكبر سد كهرومائي في القارة الأفريقية، وتقدر تكلفته بنحو 4.2 مليارات دولار، وما أشعل هواجس مصر هو قلقها من تأثيره في تدفق مياه النيل وحصتها المتفق عليها، وتبرز إحدى نقاط الخلاف في ملء خزان السد الذي تبلغ مساحته 74 مليار متر مكعب، في غضون 3 سنوات بعد انتهاء البناء، وهي وتيرة ترى مصر أنها ستخفض مستويات المياه لديها بشكل خطر.
وتوترت العلاقات السودانية- المصرية- الإثيوبية بسبب الخلاف بخصوص موضوع السد الذي تبنيه إثيوبيا على الروافد الرئيسة لنهر النيل في منطقة «بني شنقول» قرب الحدود السودانية، وعلى بعد نحو 900 كيلو متر شمال غرب أديس أبابا، وتتخوف مصر من أن يؤثر هذا المشروع في حصتها المائية من نهر النيل.
مخاطر بناء سد النهضة 
وإثيوبيا باعتبارها خزاناً رئيساً لمياه النيل لديها تطلعات بدعم أمريكي- إسرائيلي لاستغلال الظروف التي تحوق بالأمة العربية والشروع بإقامة مشاريع مائية ضخمة على منابع الأنهار المغذية لنهر النيل على حساب حصة مصر والسودان بسعة تخزينية تهدد أمن مصر والسودان المائي في خرق فاضح للاتفاقات الدولية الضامنة لمصالح الأطراف المتشاركة في مياه الأنهار،إذ يعد سد الألفية الكبير أو ما يعرف بسد «النهضة» الأخطر على مصالح البلدين العربيين المائية وفق ماأكده تقرير لجنة متخصصة من 20 خبيراً شكلتها الحكومة المصرية بأن هذا السد سيقلل من إيرادات مياه النيل إلى السد العالي تصل إلى نحو 45 مليار متر مكعب خلال 4 سنوات كانت مقررة لملء السد بالمياه، بما يهدد بعجز مائي ينعكس بشكل مباشر على توليد الطاقة الكهربائية المصرية وينذر بنقص يقدر بـ 37%، سيفضي إلى عجز كلي مع مرور الزمن.
ففي الفترة الزمنية المطلوبة لملء خزانه، سيحتاج سد النهضة كميات كبيرة من مياه النيل الأزرق المنتهية إلى السودان ومصر، فتقل بذلك حصتهما من تدفق النيل بشكل ملحوظ خلال تلك الفترة وما يليها على مدى أعوام بسبب تراجع المنسوب سيتسبب بخسارتهما كمية كبيرة من المياه بحسب خبراء في مجال المياه وتخسر مصر بما يتراوح بين 20 و 40 %، ستؤثر بشكل فعلي في حياة 100 مليون مصري نتيجة فقدان آلاف الدونمات لأغلب مواردها المائية وأثر ذلك بشكل مباشر اقتصادياً واجتماعياً وكذلك سياسياً، لذلك يثير إنشاء سد النهضة قضايا جيو- سياسية أكثر منها مائية أو اقتصادية أو جيولوجية.
خلافات وتجاهل للحقوق
ويرى خبراء أن أديس أبابا لا تعترف أصلاً بحقوق دول المصب بدليل عزمها إنشاء أربعة سدود على النيل الأزرق يكون سد النهضة بدايتها، وسعيها تعديل اتفاقيات توزيع مياه النيل القديمة لمصلحتها على حساب مصر والسودان، كما أنها لم تلتزم رغم المفاوضات السابقة بالأعراف الدولية أو القانون الدولي الذي ينص على وقف الأعمال محل الخلاف في حال النزاع بين دولتين لحين الفصل في النزاع، يمكن الإشارة هنا إلى أنه سبق أن شكلت لجنة ثلاثية من الأطراف السودانية والمصرية والإثيوبية للوصول إلى آلية أو حل، لكن أعمال هذه اللجنة ونتيجة الخلافات انتهت على وقع توتر في العلاقات بين الدول، إذ إن مصر رأت أنها المتضرر الأول من السد، بينما رأى السودان أنه ضمن تفاهمات مع إثيوبيا، بيد أن الأخيرة تنفي أي ضرر قد يلحق بدول النيل من بدء العمل بالسد.
تحديات تعوق المفاوضات
ورغم ذلك وقع قادة مصر وإثيوبيا والسودان في آذار عام 2015 اتفاقاً إطارياً يتضمن 10 مبادئ أساسية حول سد النهضة تحفظ الحقوق والمصالح المائية للأطراف، وتضمن التعاون على أساس المنفعة المشتركة، وتراعي الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب، وعدم التسبب في ضرر لأي من الدول الـثلاث، وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال لقاء بنظيره الإثيوبي ورقيني قيبيو في أديس أبابا لبحث نتائج الجولة الأخيرة لاجتماعات اللجنة الفنية الثلاثية الخاصة بسد النهضة «الاتفاق الإطاري لإعلان المبادئ كان واضحاً في تأكيده على محورية استكمال الدراسات قبل بدء ملء السد وفقاً للمادة الخامسة من الاتفاق، بل أنه ينص على ضرورة اتفاق الدول الثلاث على قواعد ملء السد وأسلوب تشغيله» مضيفاً: مصر تعاملت بمرونة مع التقرير الاستهلالي ووافقت عليه من دون تحفظات، اقتناعاً منها بأن الدراسات ذات طبيعة فنية ولا تحتمل التأويل أو التسييس»، وتابع كلامه: «استمرار عجز اللجنة الثلاثية عن التوصل لاتفاق حول التقرير الاستهلالي المعد من جانب المكتب الاستشاري، من شأنه أن يعطل بشكل مقلق استكمال الدراسات عن تأثير السد في دولتي المصب في الإطار الزمني المنصوص عليه في اتفاق المبادئ».
لكن في 13 تشرين الثاني الماضي أعلنت مصر تعثر المفاوضات الفنية مع إثيوبيا والسودان، بعد أن وافقت الأولى مبدئياً على تقرير أعده مكتب استشاري فرنسي حول السد، بينما رفضته الخرطوم وأديس أبابا، ثم عاودت القاهرة في إطار سعيها لحل المشكلة العالقة مرة أخرى واقترحت في كانون الأول الماضي أن يقوم البنك الدولي بدور في تسوية الخلاف لخبرته الطويلة في الأمور الفنية، إلا أن إثيوبيا رفضت المقترح ، لتبقى المدة التي سيتم خلالها ملء خزان السد نقطة خلاف أيضاً بين مصر وإثيوبيا التي بنت نحو 63 في المئة من السد الذي سيولد وفق المنظور طاقة كهربائية تقدر بـ 6000 ميغاوات عند اكتماله تحضّر لأن تكون ضمن خطة طموحة لتصدير الطاقة.
تحذيرات ثم تطمينات
وحذر محللون مراراً من أن النزاعات بين الدول الثلاث بخصوص مياه نهر النيل قد تتطور في النهاية إلى صراع قبل أن يتم الإعلان عقب قمة أديس أبابا عن انتهاء مرحلة الخلافات السابقة بين الأطراف والتطلع نحو المصالح المشتركة، بسبب خشية مصر من أن يؤدي السد الإثيوبي إلى تقليل كميات المياه القادمة إليها من المنبع والتي لن تتهاون أمام المساس بحصتها المائية وفق المرشح الرئاسي المصري- رئيس حزب الغد موسى مصطفى موسى بقوله: سد النهضة منظومة سياسية ومصر مستعدة لرد الفعل إذا شعرت بالخطر، ولا يمكن أن يخيفنا هذا السد، فنحن لدينا كل السيناريوهات الممكنة التي تمنعه من التأثير في مصالح مصر المائية، مستدركاً بأن «الرئيس السيسي يقوم حالياً بعقد اتفاقيات جديدة مع الجانب الإثيوبي والسوداني تصب في مصلحة البلدان الثلاثة، وأننا لا نعارض التنمية في إثيوبيا»، بينما تقول إثيوبيا إن السد الذي تبلغ استثماراته 4 مليارات دولار لن يكون له الأثر القوي في مصر وفق تطمينات وزير الخارجية الإثيوبي ورقيني قبيو بأن «بلاده لا تسعى للإضرار بمصالح القاهرة المائية وأنها ملتزمة بالاتفاق الإطاري لإعلان المبادئ وحريصةعلى نجاح المفاوضات والتعاون مع مصر والسودان».
تفعيل المفاوضات وخطط بديلة
وفي الوقت ذاته أعلن السودان في 29 كانون الثاني المنصرم أنه سيقدم مقترحاً بخصوص تفعيل المفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبي، في غضون شهر كما أكد رفضه إشراك البنك الدولي في حل القضية ورأى وزير الموارد المائية والري والكهرباء السوداني معتز موسى في تصريحات نقلتها وكالة «سونا» الرسمية أن الإرادة السياسية لحل أزمة سد النهضة قد توفرت خلال التئام القمة الثلاثية بين رؤساء السودان ومصر وإثيوبيا، «منذ أن توقف المسار الفني في اجتماع القاهرة في تشرين الثاني الماضي اقتنعنا بأن الأمر يحتاج إرادة سياسية لأن القضايا الفنية كانت واضحة ولكن تعوزها الإرادة السياسية.. القمة الثلاثية وفرت الدعم السياسي للمسار الفني إضافة إلى تكوين لجنة سياسية فنية أمنية تشمل وزراء الخارجية ووزراء الموارد المائية والري والأجهزة الأمنية في الدول الثلاث.. السودان في غضون شهر سيتقدم بمقترح يجعل المسار سالكاً لأن ملء البحيرة (خلف سد النهضة) وفق الخطط تبقّى له أقل من ستة أو سبعة أشهر.. وأن الأزمة تحتاج «حلاً غير تقليدي».
وبالنسبة لدعوة مصر تحكيم البنك الدولي في النزاع حول سد النهضة التي رفضتها إثيوبيا يقول موسى: «السودان مبدئياً ضد تدويل قضايا المنطقة وهذا مبدأ في سياسة السودان الخارجية.. وحل كل قضايا السودان مع دول الجوار وخاصة قضايا المياه سواء أكان السد العالي أو جبل أولياء، وكل السدود والمشروعات التي تمت، واتفاقية 1959 وغيرها تمت بإرادة وطنية من دون تدخل من أي طرف ثالث.. والسودان منذ البداية كانت الرؤية عنده واضحة لأن الدول الثلاث تمتلك الإرادة والكفاءات التي في استطاعتها أن تخلص لنتائج تخدم أهدافها وشعوبها وقد توصلت لإعلان المبادئ في الخرطوم من دون تدخل أي دولة أخرى أو أي طرف خارجي».
خيارات متاحة إن لم تلتزم إثيوبيا 
كشف اللواء سمير فرج الخبير الاستراتيجي ومدير إدارة الشؤون المعنوية المصري الأسبق في حوار لقناة «صدى البلد» أن الرئيس الأسبق حسني مبارك هدد رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي في حال إقدامه على بناء سد النهضة مضيفاً: مبارك قال بشكل واضح لزيناوي «لو وضعت طوبة في سد النهضة فستزال» ولم تستطع إثيوبيا تنفيذ مخطط إنشاء السد في عهد مبارك، ويعود فرج ليتدارك الأمر بقوله: «مصر لديها العديد من السيناريوهات حالياً في مسألة التعامل مع سد النهضة بشكل دبلوماسي.. وهي حريصة على تنمية إثيوبيا ولا تعترض على إقامة سد النهضة، لعمل مشروعات تنموية بما لا يضر بمصالح مصر»، بينما قال أمين سر لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان المصري النائب محمود محيي الدين إنه لا مخاوف من ملف سد النهضة لأن لدى مصر العديد من الخيارات في قضية السد كالخيار القانوني على المستوى الدولي والإقليمي، إضافة إلى الحشد السياسي لتشكيل جبهة عالمية تتوافق مع الرؤية المصرية وكذلك خيار استعمال القوة، إذا ما تخطت إثيوبيا كل حدود القانون الدولي، أو وصل الضرر للشعب المصري بأن فقد حقاً من حقوقه.
عودة العلاقات وتخفيف المخاطر
وزير الخارجية المصري سامح شكري في حوار مع صحيفة «المصري اليوم» عقب لقائه في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور توقع عودة سفير السودان لدى القاهرة إلى ممارسة عمله قريباً بقوله: «نتوقع أن يعود للقاهرة في وقت قريب جدا، لأن العلاقات تحتاج وجود سفيرين للبلدين للمساهمة في إدارة هذه العلاقات.. اللقاء كان فرصة طيبة للمكاشفة والمصارحة وطرح كل المواضيع التي أدت لخروج العلاقات عن مسارها الطبيعي بين مصر والسودان.. وهناك تأكيد من الجانبين على العمل المشترك لعودة العلاقات لطبيعتها، ونحن نسعى من خلال هذه اللقاءات لأن تكون العلاقة من الأهمية حيث تجعلنا دائماً نعمل على إزالة أي سوء فهم، والعمل على أن تكون هناك إجراءات ملموسة وعملية من قبل البلدين توضح استمرار العمل لتحقيق المصالح والدعم المتبادل واتخاذ موقف واضح في مسار العلاقة، وهذا ما سوف ما نعمل عليه في الفترة المقبلة».
ويقول شكري بخصوص العلاقات مع إثيوبيا: قلق المصريين من المفاوضات بشأن سد النهضة مشروع، وذلك لأننا نتعامل دائما مع قضية جوهرية وحساسة بالنسبة للشعب المصري واعتماده على نهر النيل مصدراً وحيداً للمياه، وهي ليست فقط مياه شرب، فهذا جزء يسير جداً مما تستخدمه مصر من مياه النيل، فالنيل مرتبط بالحياة الاقتصادية لمصر وبسلامة المنظومة الزراعية في مصر، وبالتأكيد نحن على حق كامل في التعامل مع هذه القضية بالأولوية التي نوليها لها وبالحرص الذي ننتهجه والرأي العام المصري له كل الحق في أن يتابع هذه القضية متابعة حثيثة لارتباطها بحياته».
ويتابع: «لكن هذا لا يعني ألا نستمر في صياغة الحلول المناسبة وفقاً لقواعد القانون الدولي ووفقاً للعلاقات التي تربط بين الدول الصديقة وأن نستخلص في النهاية التنفيذ الكامل للاتفاق الإطاري والتزام كل الأطراف بتعهداتهم والتزاماتهم، وفقاً لهذا الاتفاق ومتابعة ذلك وتقييم الأمر كلما اقتضت الحاجة لهذا التقييم». مبيناً: «هذه مرحلة وقفت مصر فيها موقفاً حازماً بأنها لا تستطيع أن تستمر في مشاورات ومفاوضات لا تؤدى إلى نتائج تستغرق مزيداً من الوقت، وإنما علينا أن نحسم هذه القضية حتى تنطلق الدراسات التي سيتم على أساسها قياس الضرر وكيفية مواجهته خلال إقامة السد».
تلافي تداعيات السد على مصر
ويرى وزير الموارد المائية والري المصري الدكتور محمد عبد العاطي أن عمل الوزارة لا يقتصر على مصر فقط بل يمتد إلى إفريقيا بالكامل ورفض الادعاءات التي تقول إن مصر تسعى إلى تعطيل العمل في الدراسات الخاصة بسد النهضة لأن هذا سيكون ضد مصلحتها بالكامل حسب الوزير الذي أشار إلى قوة علاقات مصر بدول حوض النيل وفي الوقت ذاته إلى تضرر مصر من بناء سد النهضة لكونها دولة المصب الأخيرة على مجرى نهر النيل في حال عدم الاتفاق على كيفية تشغيله وملئه بناء على دراسات توضح آثاره المحتملة، ويقول : لذلك كانت مصر الأكثر حرصاً عبر السنوات السبع الماضية منذ إعلان إثيوبيا عن سد النهضة في عام 2011 على تعجيل إتمام الدراسات الخاصة بالسد في أقرب فرصة.
وكشف عبد العاطي أن مصر تعمل مع السودان وإثيوبيا لإزالة أو تخفيف أي آثار لسد النهضة والوصول إلى اتفاق مقبول بشأن الملء والتشغيل مضيفاً: «تنفيذ المشاريع المائية بشكل منفرد يجعل الوضع المائي عندنا شديد الحساسية، إذ إن العجز المائي في مصر يمثل حوالى ٩٠٪ من الموارد المائية المتجددة ويتم تعويضه من خلال استيراد مياه افتراضية تقدر بحوالي ٣٤ مليار متر مكعب إضافة إلى إعادة تدوير المياه». ويشير إلى أن مصر تعدّ الأولى على مستوى إفريقيا في كفاءة استخدام المياه ومن أعلى المستويات في العالم، واستكمالاً لما سبق دعا إلى ربط بحيرة فيكتوريا بالبحر المتوسط كمحور مهم للتعاون بين دول حوض النيل، ما يسهم في تحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وخلق فرص أفضل لأجيال الحاضر والمستقبل ويربط بين الدول موضحاً أن لدى مصر سيناريوهات جاهزة لمواجهة العجز المائي، إذ بدأت بتنفيذ الخطة القومية لإدارة الموارد المائية (2017- 2037) التي وضعت بالتعاون مع 9 وزارات، مشيراً إلى ما أعلنه الرئيس السيسي مؤخراً باستثمارات بقيمة 70 مليار جنيه لمحطات المعالجة، و20 ملياراً لأعمال أخرى.
تخفيف حدة الأزمة 
هناك من يشير إلى تحول كبير يمهد الطريق لتخفيف حدة الأزمة بشأن قضية سد النهضة، فما هو؟ وللإجابة عن هذا السؤال يتبين من خلال ما كشفته مصادر عسكرية مصرية عن قيام القاهرة بمتابعة العمل في مشروع ضخم في جنوب السودان يسمى مشروع قناة «جونجلي»، وهذا المشروع يتضمن قناة تهدف لاستقطاب جزء من مياه المستنقعات يوفر 30 مليار متر مكعب من المياه سنوياً تستفيد منها كل من السودان ومصر، وتشير المعلومات إلى أن هذا المشروع بدأت مصر العمل فيه فعلياً في سبعينيات القرن الماضي، إذ تم حفر 260 كيلومتراً بوساطة الشركة الفرنسية التي فازت بعطاء تنفيذ الحفر، لكنها توقفت عند قرية الكونقر نتيجة نشوب الحرب الأهلية عام 1983 بين الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، والحكومة المركزية في السودان آنذاك وأكد خبراء وقتذاك أن المتبقي من الحفر في المشروع الذي سيخدم مصر وجنوب السودان لا بد من إتمامه لأهمية القناة للبلدين المذكورين.
ومن الخيارات الأخرى المتاحة إنشاء أكبر برنامج لإعادة تدوير المياه بتكلفة تقدر بنحو 7 مليارات دولار يعيد معالجة مياه الصرف الزراعي والصناعي والصحي، كذلك دراسة تقوم بها مصر لبناء أكبر سد في الصحراء الشرقية ويعدّ سد شلاتين الذي من المتوقع أن يخزن 7 ملايين متر مكعب من مياه السيول من الأعمال الهندسية ضمن منظومة حصاد الاستفادة من مياه الأمطار والسيول وتقليل المخاطر التي قد تنجم عنها ما سيساهم بشكل كبير في تنمية المنطقة وحمايتها من أخطار السيول، لأنه يعد من أكبر السدود التي يتم إنشاؤها في الصحراء الشرقية من حيث الارتفاع وسعة التخزين.
وللتعويض عن الخسائر أيضاً تعتزم مصر إنشاء منطقة صناعية في إثيوبيا تعمل على تعزيز أهمية زيادة التعاون الاقتصادي بين البلدين للوصول إلى التكامل في مجالات مختلفة.
المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود قبل إعلان إنهاء الأزمة 
وصلت المفاوضات مع إثيوبيا إلى طريق مسدود وكان أحمد أبو زيد المتحدث باسم الخارجية المصرية أفاد بأن رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ديسالين رفض المقترح المصري إزاء سد النهضة، وأن مشاركة البنك الدولي في الاجتماعات الثلاثية أخذت خارج إطارها مشيراً إلى أن وزير الخارجية شكري كان حريصاً على الاتصال بنظيره الإثيوبي للتأكد من صحة التصريحات، والاستفسار عن السبب في طرح هذا السبب في هذا التوقيت.
وأوضح أبو زيد أن المحادثات في إطار اللجنة الفنية لا تحتمل التأويل السياسي، وهى ليست ذات طابع سياسي، وكانت مصر حريصة كل الحرص حينما طرحت المبادرة الخاصة بمشاركة البنك الدولي، ليكون الطرف المحايد لما لديه من خبرة دولية في المشاريع الكبرى والخاصة بالسدود، ولكي يعطي رأياً فنياً محايداً لكن السودان أيضاً لم يتفاعل مع المبادرة المصرية ليعلن رفضها لاحقاً.
خسائر مصر 
أثر سد النهضة كبير على مصر.. هذا ما أكده مستشار المجلس العربي للمياه الدكتور صفوت عبدالدايم استناداً للأبحاث بقوله: بناء إثيوبيا لسد النهضة سيؤدي إلى انخفاض حصة مصر من النيل الأزرق ما بين 5 إلى 10 مليارات متر مكعب سنوياً، وإن السد الإثيوبي سيؤثر في مخزون السد العالي البالغ 55.5 مليار متر مكعب.
وكان عبد الدايم يتوقع سيناريوهاً في حال عدم اتفاق مصر وإثيوبيا والسودان على حلول للأزمة هو «الأسوأ» مشيراً إلى أن بعض الأبحاث توضح أنه إذا حدث انخفاض في الحصة المائية بمقدار 5 مليارات متر مكعب، فإن القطاع الزراعي سيخسر نحو 75 مليار جنيه، وإذا بلغ الانخفاض مقدار 10 مليارات متر مكعب سنوياً، فإن خسائر القطاع الزراعي ستصل إلى 150 ملياراً في السنة، وذلك طبقاً لدراسات بحثية، لكنه قال إن اللجنة المشكلة من الدول الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، ستُحدد التأثيرات السلبية بدقة.
مرحلة الخطـر واليد الأمريكية- الإسرائيلية 
ملف «سد النهضة» دخل في مرحلة خطرة جداً هذا ما أشار إليه المفكر السياسي مصطفى الفقي في حوار على فضائية «إم بي سي مصر» بقوله: ومن الواضح أن «الأشقاء في إثيوبيا بمساعدة أشقائنا في السودان يماطلون من أجل فرض أمر واقع» وأن إثيوبيا تنتهج سياسة «إسرائيل» في التعامل مع هذا الملف، ولكن لا بد من أن تدرك أن ملف المياه بالنسبة لمصر أمن قومي لا يقبل التأويل حسب تعبيره.
لكن في حقيقة الأمر فإن الملف أخذ بعداً أخطر من خلال سعي «إسرائيل» للسيطرة على نيل مصر بشكل يساعد على جفاف النيل وفق ما يقوله المصريون , بينما تشير صحيفة «معاريف» (الإسرائيلية إلى آراء الخبراء المصريين في بناء السد بقولهم: ليس هناك شك في أن شعار «إسرائيل»: من النيل إلى الفرات) أصبح أقرب إلى الواقع بطريقة مبتكرة.
ولم تبتعد اليد الأمريكية عن تدخلها في هذا الملف عبر التشويش على مصر, إذ كشف رئيس المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم الدكتور حسين الشافعي في حوار خاص مع جريدة «الدستور» المصرية أن مصر دفعت 30 مليون دولار لوكالة الفضاء الأمريكية للحصول على بعض الصور الخاصة بسد النهضة، فقدمت أمريكا لها صوراً مشوشة.