شهر حزیران هذا العام یحتضن في طیاته مناسبات ثلاث، تخص الشعب السوري والشعب الإيراني والأمة الإسلامیة.
فيما یخص الشعب السوري فهي الذكـری السنویة لرحیل الرئیس حافظ الأسد الذي باعتلائه سدّة الحكـم في سوریة أنهی فترة الاضطرابات وعدم الاستقرار فیها بعد الاستقلال، حیث استتبّ الأمن والثبات في البلد، وانتهج سیاسة مستقلة عن الأقطاب العالمیة آنذاك مع الحفاظ علی العلاقات الجیدة مع معظم الدول وارتقی بسوریة إلى موقع لاعب أساس في المنطقة، حیث حافظت سوریة في ظل قیادة الرئیس حافظ الأسد علی مواقف سیاسیة استراتیجیة ثابتة وذلك فيما يتعلق بالقضایا المصیریة والمهمة كـالقضیة الفلسطینیة ودور الولایات المتحدة الأمريكية في المنطقة.
كان الرئیس الراحل صاحب مواقف سیاسیة متینة مبنیّة علی رؤیة  استراتیجیة وقراءة عمیقة للأحداث والتحولات، قراءة في الأسباب والمآلات, فكـان یری أنّ  الكيان الصهیوني وراء كـل المشكلات والمتاعب في المنطقة، وكـان یرى هذا  الكيان غیر المشروع والمحتلّ للأراضي الفلسطینیة عدواً لدول وشعوب المنطقة وأنّ خطره یتجاوز الحدود الجغرافیة، لذلك فقد دعم نضال الشعب الفلسطیني والفصائل الفلسطینیة لاسترجاع كـامل حقوق شعب فلسطین.
ولدی الرئیس الراحل تصریحات كـثیرة بهذا الخصوص  لایمكـن إحصاؤها ویكـفي أن نشیر إلى مختارات من مواقفه في خطاباته ومقابلاته، فمثلاً في كـلمة في 8/3/1975 قال: (إنّ نضالنا في سورية كان ولا يزال مرتبطاً بالقضية الفلسطينية وإنه لن ينفصل أبداً عن نضال شعب فلسطين مهما تكن المصاعب ومهما تكن التضحيات)… وفي مقابلة مع مراسل مجلة «نيوزويك الأمريكية» أكـد : (لا يمكن أن نتخلى عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني مقابل أي شيء، فقضية الشعب العربي الفلسطيني هي قضيتنا بكل ما تعنيه هذه الكلمة ونضالنا لا يمكن أن يكون من أجل الجولان إلا بقدر ما هو من أجل حقوق الشعب الفلسطيني).
إن هذا الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في فكر الرئيس الراحل ما كان موقفاً سياسياً مؤقتاً ولمصالح آنية بل كان أصلاً ثابتاً غايته أن يسترد الشعب الفلسطيني كامل حقوقه، وفي هذا المعنى أكد الرئيس الراحل في 4/5/1985: (سنظل مع شعب فلسطين، سنظل مع قضية فلسطين، ستظل سورية سنداً قوياً لكل من يريد أن يكافح من أجل فلسطين، سنقدم إلى المناضلين الفلسطينيين وسنقاتل إلى جانبهم كي تعود لشعب فلسطين حقوقه كاملة).
إن الشعب السوري الذي یعاني منذ أكثر من سبع سنوات من مؤامرة كـبیرة تستهدف كـیانه السیاسي ووحدة أراضيه ويتكشف یوماً بعد یوم أنّ الصهاینة هم من یدیرون هذه المؤامرة، إن هذا الشعب لن ینسی مقولة الرئيس الراحل حافظ الأسد عن الصهاینة (الصهيونية شر على البشرية كلها) وتُعد أكبر خطر على الدول العربية، فقد قال في هذا الشأن (إن الأساس العنصري للصهيونية وتطلعها التوسعي وتمركزها فوق الأرض العربية و… كل هذا يجعل الصهيونية أكبر خطر تواجهه الأمة العربية). وبالاتجاه نفسه قال الرئیس الراحل («إسرائيل» تؤكد في كل يوم وفي كل وقت أنها كيان عدواني توسعي وأنها تسير على خط معادٍ لتيار التاريخ وهي حريصة دائماً على أن تمثل القاعدة الفكرية والعقائدية للفاشية).
لم يكن لدی الرئیس الراحل أدنی شك بأنّ الصهاینة یخططون ویعملون علی تفتیت دول المنطقة فمن، جملة ما قال في هذا الصدد (إن الأطماع الصهيونية واضحة كالشمس، فالأمر واضح في كتب الصهاينة وتعاليمهم، إنّهم لا يريدون قطراً عربياً من دون آخر فقط بل يريدون الأرض من النيل إلى الفرات)، الرئیس الراحل كـان یرى الولایات المتحدة الأمریكـیة شریكـة في كـل ما یقوم الكيان الصهيوني به من دور مخرّب في المنطقة بدعمها اللامحدود لهذا  الكيان الغاصب، فبهذا الصدد  كـان یقول (إنه لولا الدعم الأمريكي المستمر والمتنوع والمتصاعد سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لما كان في إمكان «إسرائيل» أن تعتدي وتتوسع وتحتل أراضي الدول العربية المجاورة). (ثم إنّ الولايات المتحدة تقدم لـ«إسرائيل» كل الدعم السياسي حتى إنه يمكن القول: إنها عطلت مجلس الأمن الدولي وشلّت فاعليته من أجل «إسرائيل»).
أما ما یخصّ شعب إيران، ففي حزیران الذكـری السنویة لرحیل الإمام الخمیني قائد الثورة الإسلامیة ومؤسس الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة.
إن المتابع لسیرة وحیاة الإمام الراحل یجد أنّ القضیة الفلسطینیة شكـلت مكـوّناً من مكـوّنات حیاة الإمام الخمیني السیاسیة والاجتماعیة منذ شبابه فالإمام الراحل خرج عن النمط المطلوب لسلطات إيران الملكـية المطالبة بعدم تدخّل علماء الدین في الأمور السیاسیة والاجتماعیة والاكـتفاء بالأمور العبادیة والدروس الدینیة، لقد كـسر الإمام الخمیني هذه الثقافة المسیطرة علی المجتمع والحوزات العلمیة الدینیة باتخاذه المواقف الجریئة في الشؤون السیاسیة والاجتماعیة الداخلیة والخارجیة مع كونها معارضة لسیاسات الحكـومة آنذاك، كما شكـلت القضیة الفلسطینیة منذ زرع  الكيان الصهیوني علی تراب فلسطین أحد الثوابت في مواقف الإمام الخمیني، وفي مواقفه كـان یؤكـد علی عدم شرعیة  الكيان الصهیوني وكـان یدعو إلى نصرة شعب فلسطین وإزالة هذا  الكيان الغاصب لأرض المسلمین والذي كـان یعده غدّة سرطانیة وكان یعارض بشدة علاقات نظام الشاه مع  الكيان الصهیوني، وكـان یؤكـد أنّ موقف الشعب الإيراني مخالف تماماً لسیاسات النظام الحاكـم العمیل لأمریكـا، ومن جملة ما قال في هذا الصدد (من أسباب ثورة شعب إيران المسلم، دعم الشاه اللامحدود لـ«إسرائيل» الغاصبة، إذ كان يعطي النفط لـ«إسرائيل» ومن ثم جعل إيران سوقاً لتصريف المنتوجات الإسرائيلية، ويقدم لها الدعم المعنوي.. ولكن في الوقت نفسه وبهدف خداع الرأي العام العالمي كان يدين «إسرائيل»)
وأیضاً (من أسباب معارضتنا للشاه، دعمه لـ«إسرائيل» لقد قلت دائماً إن الشاه قد تعاون مع «إسرائيل» من أول يوم وجد فيه هذا الكيان، حينما وقعت الحرب بين «إسرائيل» والدول المسلمة، كان يغتصب نفط المسلمين ويقدمه لـ«إسرائيل» وهذا هو أهم سبب من أسباب معارضتي للشاه).
هنا لابد من أن نشیر إلى نقطة مهمة في مسیرة الإمام الخمیني وهي أنّ الإمام الراحل كـان يتخذ هذه المواقف منذ أربعة عقود قبل انتصار الثورة الإسلامیة حینما كـان عالم دین معارضاً للنظام الحاكـم وما كـان یملك أي سلطة سیاسیة  وكـان یدفع ثمناً باهظاً بسبب مواقفه من الاعتقال إلی النفي خارج إيران وما كـان في بال أحد آنذاك أن یأتي یوم ویصبح فیه الإمام الراحل قائداً لثورة یقودها إلی بر الانتصار وسیصبح مؤسساً لنظام إسلامي هو القائد الأعلی فیه، لم تكن مواقف الإمام ذات دوافع شخصیة أو لمصلحة سیاسیة أو اجتماعیة أو اقتصادیة، وخیر دلیل علی هذا الأمر هو استمرار الإمام الخمیني في مواقفه بعد انتصار الثورة الإسلامیة وانتقاله من موقعه كـمرجع دیني معارض یعیش في المنفی إلی أعلی سلطة في إيران وتسخیره كـل ما یمكـن من الدعم السیاسي والمادي واللوجیستي للقضیة الفلسطینیة ولدعم نضال الشعب الفلسطیني والمقاومة الفلسطینیة، وهكـذا أصبح دعم القضیة الفلسطینیة من ثوابت السیاسة الخارجیة للجمهوریة الإسلامیة الإيرانية.. لم تتغیر هذه السیاسة بعد رحیل الإمام إلی الیوم في ظل قیادة الإمام الخامنئي وهو خریج مدرسة الإمام الخميني فقد أكـد التزامه بمتابعة نهج الإمام الخمیني ولن یتغیر هذا الموقف إلی حین حل القضیة الفلسطینیة لمصلحة الشعب الفلسطیني.
أما المناسبة التي تخصّ الأمة في شهر حزیران هذا العام فهي مناسبة «یوم القدس العالمي» الذي أعلنه الإمام الخمیني قبل مایقارب أربعة عقود كـمناسبة جامعة للأمة الإسلامیة لإنقاذ فلسطین من شرّ احتلال الصهاینة، ولمساندة الشعب الفلسطیني لاسترجاع كـامل حقوقه علی كـامل تراب فلسطین وبعد أشهر قلیلة بعد انتصار الثورة الإسلامیة أعلن یوم الجمعة الأخير من كـل شهر رمضان یوماً عالمیاً للقدس وأصدر بهذه المناسبة إعلاناً قال فیه: (لقد نبهت المسلمين خلال سنوات عديدة إلى خطر «إسرائيل» الغاصب… أطلب من عامة مسلمي العالم والدول الإسلامية أن يتعاضدوا لأجل قطع يد هذا الغاصب وداعميه. أدعو مسلمي العالم إلى اختيار يوم الجمعة الأخير لشهر رمضان المبارك الذي يعد من أيام القدر ويمكن أن يلعب دوراً في مصير الشعب الفلسطيني، أدعوهم إلى اختياره يوماً للقدس وأن يعلنوا تعاضد المسلمين الدولي لحماية الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني المسلم).
إن الإمام الراحل بإعلانه الجمعة الأخيرة من رمضان في كـلّ عام یوماً عالمیاً للقدس يكون قد زرع بذرة نمت خلال العقود الأربعة الماضیة وتنمو إلی حین دحر الاحتلال الصهیوني واسترجاع الأراضي الفلسطینیة من الغاصبین، فرأینا خلال سنوات مضت بعد إعلان یوم القدس العالمي توسیع رقعة المقاومة في الأراضي المحتلة، حیث تشكـلت حركـات المقاومة متنوعة الانتماءات ومتحدة الهدف، ونمت مقاومة شعبیة داخل الأراضي المحتلة كـبرت یوماً بعد یوم ماكـانت في حسبان الصهاینة، وفي جردة حساب لإنجازات هذه المناسبة یكـفي أن ننظر إلی موقع  الكيان الصهیوني في موازین القوی في المنطقة كـیف كـان في بدایة إعلان یوم القدس وكـیف هو الیوم، ففي تلك الحقبة كانت شعوب المنطقة وحكـوماتها تعيش تحت تأثير مقولة «الجیش الصهيوني الذي لایُقهر»، وكـان  الكيان الصهیوني یهدد دول الجوار ویغزو البلدان المجاورة وقتما یشاء، ولكـن الیوم أصبح الجیش الصهیوني موضع سخریة شعوب المنطقة، وأصبح  الكيان الصهیوني یخاف من أن یقوم بأيّ مجازفة غیر محسوبة النتائج، خلال سنوات مضت بعد إعلان یوم القدس تشكـل محور المقاومة في المنطقة التي ازدادت قوتها باستمرار، أصبح هذا المحور رقماً صعباً في أيّ تطور في المنطقة ومن خلال ظهور وفعالیة هذا المحور تمّ فضح واقع المدّعین لتبنّي القضیة الفلسطینیة حیث تبیّن أنهم كـانوا یریدون الانفراد في تبنّي الملف الفلسطیني لیفرضوا الحل المطلوب صهیونیاً علی الشعب الفلسطیني لیتمّ الاعتراف بالكيان الصهیوني، كـل هذا تلاشى بفضل ظهور المقاومة التي بدورها إنجاز لمدرسة الإمام الخمیني الفكـریة السیاسیة والتي یعد یوم القدس رمزاً لها.


*المستشار الثقافي لسفارة الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة في سوریة