خبر عاجل

تحليلحول الأهمية الاستراتيجية ( الجيو-سياسية) للخان الأحمر وخطة القدس الكبرى

تحليلحول الأهمية الاستراتيجية ( الجيو-سياسية) للخان الأحمر وخطة القدس الكبرى

نشر الاربعاء 11 يوليو, 2018 في تمام الساعة 19:54

منذ لحظة اتخاذ القرار بإنشاء مستوطنة معاليه أدوميم كان ينظر إليها كعلامة من علامات "يوم قيامة" جيوسياسي في المستقبل السياسي للضفة الغربية والصراع الفلسطيني الصهيوني.

فمن المعروف أن الهدف من إنشائها والذي حاز وما زال على إجماع قومي صهيوني، كان جعلها مسمار ارتكاز لتشطية الضفة الغربية وتدمير إمكانية تواصلها ما يعني انعدام أي أفق لحل الدولتين المزعوم بل مجرد كانتونين فلسطينيين واحد شمالي مركزه رام الله وآخر في الجنوب يضم الخليل وبيت لحم المتشظيتان أصلا بتغلغل استيطاني مكثف.

ومنذ أن شرع الاحتلال بإقامة مستوطنة معاليه أدوميم في آب/أغسطس من العام 1979، على طريق القدس أريحا، على بعد حوالي 6كم، إلى الشرق من القدس، [من الناحية الشرقية لقرية أبو ديس على أراضي قرى العيزرية وأبو ديس جبل الطور والخان الأحمر وسلوان وعناتا] تم ربطها بمنطقة رام الله شمالاً وبيت لحم جنوباً، بعد أن تمت مصادرة (50) ألف دونم لبنائها وتوسيعها، وقد ارتفع عدد سكانها من (5000) مستوطن عام 1982 إلى 16 ألف مستوطن عام 1992، إلى أكثر من 40000 حاليا حيث صدر قرارا في العام 1992 بتحويلها إلى " مدينة إسرائيلية".

وتضم منطقة نفوذ معاليه أدوميم، حاليا مستوطنة معاليه أدوميم والمنطقة الصناعية ميشور أدوميم، و تسيطر على مساحة كبيرة في عمق الضفة الغربية. إن مستوطنة معاليه أدوميم تعتبر المستوطنة الأكبر من حيث منطقة نفوذها، حيث تمتد على مساحة تصل إلى حوالي 48.000 دونم، وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث حجم السكان كما قلنا بعد المستوطنتين المتدينتين بيتار عليت وموديعين عليت، ويعتقد الكثير من الصهاينة أن معاليه أدوميم هي "مدينة إسرائيلية" سيتم الاحتفاظ بها في أي تسوية مستقبلية.

ويجدر القول أنه منذ التفكير بإقامة معاليه أدوميم واستباقها بإقامة المنطقة الصناعية ميشور أدوميم ومعسكر العمال عام 1974 والمنطقة تخضع لتطهير عرقي منهجي، فهي لم تكن أراض خالية من الفلسطينيين، وقد تمت هذه العمليات ضد البدو الفلسطينيين من عرب الجهالين وكذلك أصحاب الأراضي المسلوبة في قرى العيزرية وأبو ديس وعناتا.

فعلى سبيل المثال هناك حوالي 6500 دونم من أصل 11350 دونما من أراضي العيزرية تقع اليوم في منطقة نفوذ معاليه أدوميم، ناهيك عن أن الموقع الجغرافي لمعاليه أدوميم يمس أيضا بالحق الجماعي للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره نتيجة عملية البتر التي تسببها للضفة الغربية كما أوضحنا.

ومؤخرا عاد بنيامين نتنياهو ليعلن نيته طرح قانون ضم معاليه أدوميم من جديد وزعم أنه يقدر أن الرئيس ترامب لن يعارض الفكرة، ومن الواضح أن تسوية "المشكلة" في E1 هي جزء رئيسي من خطة نتنياهو لتسهيل الضم عبر تنفيذ المخطط الأصلي: منطقة خالية تماما من الفلسطينيين وزرع المستوطنين بكثافة فيها.

تمتد مساحة موقع خطة البناء الاستيطانية المسماة E1 على قرابة 12 ألف دونم، شمالي وغربي الطريق الواصل بين القدس المحتلة ومستوطنة "معاليه أدوميم"، وهذه الخطة ولدت في دوائر التخطيط في وزارة الإسكان الصهيونية وأراد المهندسون بواسطتها كما هو معروف ربط مستوطنة معاليه أدوميم، بمرتفعات جبل سكوبس الواقع داخل حدود نفوذ البلدية الصهيونية في القدس المحتلة، وقد حظيت الخطة بتأييد جميع الحكومات الصهيونية منذ عهد إسحاق رابين وتشكل جزءا جوهريا من الرؤية الصهيونية لربط المستوطنات المحيطة بالقدس، بالمدينة كجزء من مخطط القدس الكبرى.

وقد بدأت الإجراءات فعليا وقانونيا في الكيان الصهيوني تجاه تنفيذ هذا المخطط عام 1991 عندما وقع وزير الحرب في حكومة شامير، موشيه أرنس عام 1991 على أمر بتحويل جزء من المنطقة المسماة E1 إلى سلطة المجلس المحلي لمستوطنة معاليه أدوميم، ثم قررت اللجنة الفرعية للاستيطان في مجلس التخطيط الصهيوني (الأعلى) في كانون الثاني/يناير عام 1994 إيداع خطة جديدة، تنص على توسيع الخريطة الهيكلية لمعاليه أدوميم (وقد شكلت هذه الخطة –الخطوة من الناحية العملية أساسا للخطة المستقبلية التي سميت E1، وفي ذلك الوقت طلب رابين من وزير الإسكان في حكومته بنيامين بن إليعزر بالشروع في التخطيط لإقامة حي استيطاني جديد في المنطقة ذاتها، وشرع منذ ذلك الحين بدفع وإقرار إجراءات التخطيط والتنظيم لمخطط E1، إلا أن هذه الإجراءات لم تستكمل نهائيا، وذلك بسبب معيقات سياسية كما يتضح في النص.

ووفقا للمخطط الذي أقر في حينه فإن الحي الاستيطاني الجديد، الذي أعطيت خطته تسمية عبرية "مفاسيرت أدوميم"، سيتكون من 3500 وحدة استيطانية تتوزع على ثلاثة أحياء سكنية، بالإضافة إلى خطط لإقامة مقر قيادة لواء "يهودا والسامرة" التابع للشرطة الصهيونية، في نفس المنطقة، ومجموعة من الفنادق والمواقع السياحية والصناعية والتجارية.

كان شارون قد بدأ البناء فعلا في المنطقة عام 2004 قبل أن يوقفه الرئيس الأمريكي جورج بوش ثم حاول نتنياهو أن يبني هناك قبل بضع سنوات لكنه خضع حينها للضغوط الدولية، فهل لدى الحكومة المحتلة ضوء أخضر الآن من إدارة ترامب التي لم تعلق على الحدث؟

كان نتنياهو يموه مسعاه عام 2012 بالانتقام من قبول فلسطين كدولة مراقب غير عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة وتمكن الضغط الدولي من إيقاف البناء، ومنذ ذلك الحين لم يحدث تغيير.

وفي هذه الأوقات بينما تتصعد قضية الخان الأحمر، ومحاولة تدميره الصهيونية لتشغل حيزا كبيرا من الاهتمام جوهره إنساني يتعلق بتهجير جديد لسكانه الفلسطينيين وتدمير سبل ونمط عيشهم للمرة الثالثة ربما، غير أن جوهر القضية يأخذ طابعا استراتيجيا جيو-سياسي كبير يجعل هذه القرية الصغيرة مركز هذا الصراع ومحور مستقبله.

يقع خان الأحمر في E1 التي كما ذكرنا سعى الاحتلال عبر عقود لتكثيف المستوطنات في المنطقة وربطها معا ما يعني كما قلنا تقسيم الضفة الغربية، مما يؤدي إلى ما تم وصفه على مر السنين باعتباره المسمار في نعش حل الدولتين.

وقد عبر الاتحاد الأوربي عن هذه الحقيقة في بيانه الأخير نهاية الأسبوع الماضي عندما وصف الخطة الصهيونية لهدم الخان الأحمر والاستيطان في المنطقة E1، بأنها “تفاقم التهديدات التي يتعرض لها حل الدولتين وتقويض أي آفاق من أجل سلام دائم ".

لذلك فإن الخان الأحمر يشكل اليوم مشكلة مؤرقة للدبلوماسية العالمية وكذلك طبعا للكيان الصهيوني ولكن لأسباب مختلفة ولعله صحيح ما قاله صحفي "إسرائيلي" معارض بأنه أمر مهم دوليا لدرجة أنه إذا استيقظ رؤساء الدول الأوروبية في الساعة الثالثة صباحًا وتم سؤالهم "ما هو خان ​​الأحمر؟" ، سيكونون قادرين على إعطاء إجابة وافية، لأن الأمر يتجاوز مسألة جريمة الحرب بل يطال التداعيات الخطيرة المستقبلية، وكان التحذير الأوربي "للإسرائيليين" واضحا "لا تفعلوها.. لا نستطيع الدفاع عنكم في هذا الأمر".

يبدو غريبا أن تخذل السلطات المحتلة مساعي 12 قنصلا ودبلوماسيا أوربيا لزيارة الخان الأحمر والمنشآت التي مولها الاتحاد الأوربي في الأسبوع الماضي في أوج التخطيط للهدم، قبل أن توقفه المحكمة العليا، ولكن يتضح أن "إسرائيل" تخاطر بإغضاب الأوربيين بتوجيه من المستويات العليا في الدولة، وما كان إذلال القناصل ليحدث دون موافقة نتنياهو.

من المعروف أن المشكلة قديمة ترتبط بسعي الكيان لإقامة جسر بري استيطاني استراتيجي بين القدس والبحر الميت الذي تقع معاليه أدوميم في وسط الطريق إلأدوميم.ث أكبر مستوطنة في الضفة الغربية مع حوالي 40.000 مستوطن، وكانت النية منعقدة عند الحكومات الصهيونية لزرع المنطقة بعشرات الآلاف من المستوطنين في E1 والتي تشكل ربع المساحة بين القدس ومعاليه أدوميم.

ويزعم الصهاينة أن E1 هي قطعة هامة استراتيجيا وعقاريا على العكس والضد من الموقف الفلسطيني الذي يرى في محاولة الاستيلاء عليها خطوة لشرعنة الاستيلاء على مجمل المنطقة (ج) ناهيك عن الأهمية الجيوسياسية لها ما يجعل المنطقة الأكثر إثارة للجدل في الضفة الغربية ربما، لذلك لا يقول الأمريكيون أن هذه المنطقة ليست فلسطينية بل يقولون أنها جزء من الوضع الدائم ويجب التفاوض حولها وعدم إملاء النتائج ولكن هذا يعني بشكل مباشر أو غير مباشر إطلاق يد حكومة نتنياهو، وتقول تقارير صحفية أن هناك وجهتي نظر في الولايات المتحدة الأولى تزعم أن القيادة الفلسطينية غير منزعجة من ما يحدث في المنطقة والثانية ترى أن لا تغيير على الموقف الأمريكي الأصلي.

في النهاية لايمكن إغفال أن هذه الخطة هي جزء من خطة أوسع تستهدف أضيا ضم كتلة مستوطنات غوش عتصيون في الجنوب، وقد بدأت فعليا أعمال البنى التحتية لتحقيق هذه الغاية ما يعني عمليا الاستيلاء على معظم مساحة الضفة الغربية والتي ستتحول ليس فقط غلى مجرد كانتونيني معزولين بل إلى ما هو أخطر بكثير على مستوى تقطيع الأوصال ليس الإقليمي فقط بل على مستوى المدن والقرى أيضا.

وفي ظل تعقيد الوضع الناتج عن جريمة حرب من جهة وتداعيات استراتيجية من جهة أخرى يبدو رغم الإصرار الصهيوني من غير الواضح إذا كان سيتم الهدم نهائيا وإن كان هذا واردا بقوة، فماذا ستفعل القيادة الفلسطينية في مواجهة هذا التغير الدراماتيكي في قواعد لعبها مع الكيان الصهيوني؟