خبر عاجل

خيارات الاحتلال .. والتهدئة التي لا زالت معلقة

خيارات الاحتلال .. والتهدئة التي لا زالت معلقة

نشر الخميس 30 اغسطس, 2018 في تمام الساعة 11:32

بن يشاي يعتبر أن بدايات الأزمة نشأت مع مسيرات العودة، التي صعّدت الاشتباك شبه اليومي وحوّلته إلى ما يشبه استنزافًا يهدد بالانفجار، ويردّ دوافع المسيرات إلى التصعيد الخلافي بين حركتي فتح وحماس، وكأن الاحتلال والحصار وإجمالي السياسات الاحتلالية تجاه القطاع ليست هي الأصل والمسؤول الرئيس عن المستوى الكارثي الذي يعيشه أكثر من مليونيْن من السكان؛ وهي محاولة أخرى من كاتب صهيوني للتهرب من تحمل المسؤولية عن الحصار واستمرار الاحتلال والعدوان وحرمان القطاع من أبسط حقوقه.

في دراسته المطولة عن الخيارات الإسرائيلية، يناقش الأمر من الزوايا الفنية والعسكرية وطرق ووسائل فرض الأمن وتوفير الهدوء للمستوطنين بأكثر الطرق نجاعة وأقلها تكلفة، من منظور الربح والخسارة (منظور يشمل أيضًا قيمة الردع) دون أن يتطرق ولو بشكل عابر لا للحقوق الإنسانية أو السياسية لسكان القطاع، وكأنهم غير موجودين أصلًا، ولا حتى للسياسات الاستراتيجية لحل الصراع.

وينطلق بن يشاي في رؤيته لحجم المخاطر التي تحدثها مسيرات العودة بأن ثمة اتفاق بين المستوى السياسي والعسكري بالخطورة التي يشكلها استمرار الاستنزاف وخطورة قلقلة الشعور بالأمن لدى المستوطنين، وأن أية دولة ديموقراطية لا تستطيع أن تسلم بالمس بأمن مواطنيها، ويعتبر أن الأخطر من كل ذلك هو المساس المستمر بما يسمى بالردع الإسرائيلي.

الكاتب يقدر بأن الكابينت في جلساته التشاورية الأخيرة وقف أمام ثلاثة خيارات لإعادة الأمن إلى الجنوب، ويناقش كل خيار منها من حيث العيوب والأفضليات كالتالي:

الخيار الأول

الاستراتيجية الأولى تقوم على أساس عملية عسكرية كبرى، حيث خطط لها في الجيش الإسرائيلي ولها اسم رمز تشغيلي، الأصل فيها إضعاف حماس من خلال توجيه الضربات الجوية (بما في ذلك الاغتيالات المركزة) ومن ثم الدخول البري وبقوات كبيرة وبطريقة تقسم قطاع غزة لعدة مناطق، وتخضع المقاومة العسكرية لدى حماس والجهاد الإسلامي تمامًا. بعد الحسم العسكري، وفي المرحلة الثانية التي ستستمر لعدة أسابيع، سيمسح الجيش الإسرائيلي و"الشاباك" المنطقة ويدمرا البنى التحتية وأدوات الإنتاج العسكرية لحماس والتنظيمات الأخرى، كما ستقوم القوات باعتقالات نشطاء حماس الكبار والبحث عن الأسرى وجثث الجنود؛ إلى هنا المهمة العسكرية.

وعندما تنتهي المهمة العسكرية سيتم ترتيب وقف إطلاق نار وانسحاب، ويكون الإنجاز إضعاف حماس وتوفير هدوء في الجنوب لسنوات أخرى، ومنح الجيش القدرة على التفرغ لجبهة الشمال، ويقدر بأن الثمن سيكون معقولًا. لكن ليبرمان - بحسب الكاتب - يرفض هذه الخطة التي لن توفر الهدوء لأكثر من عام إلى عامين، ولا زال يرغب بإسقاط حكم حماس واستبداله بجهة سلطوية أخرى، لكنه - أي ليبرمان - يكتفي بالاعتراض ولا يضغط.

هل سيضع الجيش الإسرائيلي لنفسه في الحرب القادمة في غزة هدف إضعاف حماس عسكريًا أو إسقاط حكمها؟ هذا ما يفترض أن يقرره الكابينت، ولكن فقط إذا ما اتخذ القرار، وعندما يتخذ مبدئيًا بالخروج في حرب عسكرية كبرى في غزة. حاليًا يمتنع الكابينت عن اتخاذ قرار أساسي كهذا.

الخيار الثاني: "خيار النيران" من بينت

عضو الكابينت نفتالي بينت يقترح خيارًا استراتيجيًا عسكريًا من بنات أفكاره، إنه الخيار الثاني "خيار النيران". من المهم الذكر أن الجيش أيضًا أعد خطة عسكرية لحرب في غزة بصيغة مشابهة لتلك التي يقترحها بينت، وقد عرضها الجيش على الكابينت.

خيار بينت يحاول أن يعظم المزايا والإنجازات التي يمكن التوصل اليها من خلال الاستخدام المضاد للقوة العسكرية في غزة، من أجل منع أو على الأقل تقليل الثمن الذي سندفعه إذا دخل الجيش الإسرائيلي إلى غزة بريًا.

بدلًا من ذلك، يستخدم الجيش الإسرائيلي نيرانًا مكثفة من الجو ومن البر ومن البحر بالحجم والدقة التي لم نستخدم مثلها إلى اليوم في قطاع غزة ولا في أي مكان آخر، النيران تستمر طوال عدة أيام حسب خطة محكمة ومعدة مسبقًا باتجاه سلة أهداف موسعة ومستحدثة تجهزها "أمان" و"الشاباك" وقيادة الجنوب مسبقًا. هجمة النيران هذه من شأنها - حسب فهم بينت - أن تدمر ترسانة المنظومة من سلاح القذائف المدفعية وأدوات الإنتاج العسكرية والمواقع فوق الأرضية والأنفاق الهجومية والقتال من تحتها وقاعدة وجهاز تشغيل الكومندو البحري ومقرات القيادة ومباني حكم حماس، حتى تلك الموجودة في المباني السكنية الكبرى التي تسكنها عائلات غير متورطة.

بينت يعتقد بأن قوة النيران - التي ستكون أكبر بعشرات المرات مقارنة بما استخدم إلى الآن في غزة - ستجعل حماس تطلب وقف إطلاق النار والموافقة على تهدئة مستقرة لوقت طويل. بكلمات أخرى، ما لم يتحقق بالقوة يتحقق باستخدام المزيد من القوة، ومن دون أن تدفع إسرائيل ثمنًا باهظًا. وزير التعليم يعتقد بأن انتشارًا مكثفًا وصحيحًا للقبة الحديدية جنوب إسرائيل، وكذلك أدوات أخرى الغرض منها خلق وضع لمنع تضرر المدنيين والجنود على أرض إسرائيل؛ سيمنع الخسائر في الأرواح.

بخصوص الغزيين، حسب بينت فإن "خيار النيران" المقترح من قبله لا ينبغي ولا يجب أن يقضي على حكم حماس، ولأسباب واضحة يريد بينت أن تبقى حماس هناك، وأن تمثل جهة حكومية في القطاع ومنشقة عن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. لكن ضربات النيران - التي ستتضمن اغتيالات مركزة، بما في ذلك قادة على مستوى القادة الميدانيين في حماس والجهاد الإسلامي - ستخلق ميزات ردع جديد في الجنوب، وفقه حماس هي المردوعة والخائفة وليس إسرائيل.

الخيار الثالث

الكابينت رفض الخيار العسكري الكبير الذي يتضمن دخولًا بريًا للجيش الإسرائيلي إلى قطاع غزة. بدلًا من ذلك، كان الكابينت قد قرر بأغلبية ثمانية وزراء ان يختار خيار "الاتفاق"، والذي من شأنه ان يستبعد بالكلية حربًا عسكرية كبرى، وهكذا قبل الكابينت توصية الجيش الإسرائيلي و"الشاباك" ومجلس الأمن القومي، والتي اعتمدها رئيس الحكومة نتنياهو ووزير الأمن ليبرمان ودعماها؛ هذا الخيار فيه الكثير من المزايا .

في الوقت الحالي ليس هناك أي "ترتيب"، والخلاف الاستراتيجي والمهم أيضًا لم يُحسم بعد، يُحتمل كثيرًا ألا ينجح المصريون والأمم المتحدة في التوصل إلى توافقات مع حماس والتنظيمات الأخرى، وحينها يستمر الوضع الحالي وتكون هاك حاجة إلى وقفه بالطرق العسكرية. ولأنه ليس هناك أحد في إسرائيل يريد ان يدخل الجيش الإسرائيلي في عملية برية في غزة؛ يحتمل ان يقرر الكابينت بعد عدة أسابيع استخدام "خيار النيران"، ليس نسخة بينت، وإنما الصيغة التي يقترحها الجيش الإسرائيلي، والتي تقوم بالضبط على ذات المبادئ التي تقوم على أساسها الصيغة التي يقترحها وزير التعليم.

من المهم أن نفهم أنه ورغم كثرة النصوص في وسائل الإعلام والمقولات التي ينشرها المصريون وحماس، والتسريبات من قبل وزراء الكابينت هواة العناوين الرئيسية؛ في الوقت الحالي ليس هناك أي "ترتيب" ولا حتى "تفاهمات" تم التوافق عليها بينا وبين حماس والفصائل الأخرى، هناك توافق مبدئي فقط لدى الكابينت على إعادة "تفاهمات الجرف الصامد" إلى ما كانت عليه، والتي فحواها تسهيلات إنسانية واقتصادية "مشروطة" للسكان الغزيين مقابل الهدوء المستقر لوقت غير معروف في الجنوب، دون نزع سلاح القطاع ودون وقف تعزز قوته ومن دون إعادة الاسرى والجثث؛ هذا ما قيل لرئيس المخابرات المصرية، وهذا ما أوصله هو وميلادينوف إلى حماس ورؤساء الفصائل الفلسطينية الأخرى التي اجتمعت في القاهرة.

ومن غير المفاجئ، وافقت حماس هي الأخرى على العودة إلى "تفاهمات الجرف الصامد"، ولمَ لا؟ فبعد كل شيء ليس المطلوب منها أن تعطي شيئًا، وفي المقابل تستطيع هي بالتالي أن تحافظ على إنجازاتها التوعوية من الفترة الأخيرة، لكن الفصائل الفلسطينية الأخرى ما تزال مترددة؛ لذلك ليس هناك ولو توافق قاطع حول "تفاهمات الجرف الصامد"، والتي هي العامل المشترك الأقل انخفاضًا. كل شيء في الوقت الحالي هواء ساخن وضجة إعلامية، عدا عن ذلك لم ينجح المصريون بعد في التوصل إلى مصالحة ولو جزئية بين عباس والسلطة الفلسطينية وبين الغزيين؛ لذلك حتى الوسطاء المصريون لا يتحدثون الآن بجدية عن "هدنة" طويلة الأمد.