خبر عاجل

بوابات القدس.. معبر للتاريخ والحضارات

بوابات القدس.. معبر للتاريخ والحضارات

نشر الأحد 21 اوكتوبر, 2018 في تمام الساعة 12:57

إعداد : الدكتور حنا عيسى

أمين عام الهيئة الاسلامية المسيحية لنصرة القدس  والمقدسات

 

سميت مدينة القدس بأسماء عديدة على مر العصور والأمم المتلاحقة على حكمها، وأطلق عليها المسلمون ومن قبلهم الرومان اسم "مدينة ايلياء"، ومن ثم بيت المقدس واليوم يسميها العرب "مدينة القدس"، بينما يطلق عليها الإحتلال الإسرائيلي "أورشاليم".

أما الكنعانيون فمنذ 5000 سنة أطلقوا عليها مدينة السلام نسبة إلى "سالم" أو "شالم"، "شاليم"، إله السلام عندهم، وهناك أسماء عديدة أخرى منها: شاليم "مدينة الرب الإله "، ومدينة العدل وجميعها أسماء كنعانية، وورد إسم يبوس أيضا أو مدينة اليبوسيين نسبة إلى اليبوسيين (وهم قبيلة كنعانية)، الذين سكنوا القدس قبل 4500 سنة، وعندما تمكن النبى داود من الإستيلاء على يبوس (997 أو 1000 ق.م) أطلق على المدينة إسم "مدينة داود"،  وفي سنة 132م قامت ثورة في القدس ضد الدولة الرومانية، حيث أسرع الإمبراطور هادريانوس إلى إخمادها سنة 135م، وخرب القدس وأسس مكانها مستعمرة رومانية يحرم على اليهود دخولها، أطلق عليها إسم "إيليا كابيتولوينا" وقد غير هدريان الروماني إسم مدينة القدس إلى إسم "إيلياء".

أمم وحضارات عديدة توالت على حكم مدينة تعد من أقدم وأعرق المدن، مدينة في كل زاوية فيها توجد قصة، تحكي مساجدها وكنائسها تاريخ قديم وحضارات غابرة، تتلالئ في جوانبها حكايات الأنبياء، ويعبق سماءها بقدسية ديانات سماوية ثلاث انطلقت منها إلى أنحاء المعمورة عامة.

يحيط بالبلدة القديمة من مدينة القدس التي تضم المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة وحائط البراق وعدد من الحارات والأزقة والأسواق المقدسية، سور ضخم يعود بأصالته وتاريخه إلى عصور مضت وحضارات اندثرت، ما زال شاهداً على أحداث المدينة المقدسة المتعاقبة، راويا تفاصيل ماضيها العريق، وقد بنى السور الحالي السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي حكم المدينة ما بين (1520-1566م) على أنقاض السور الروماني القديم، حيث يصل طوله من الجهة الشمالية إلى (1197.8) مترا، أما من الجنوب فيصل طوله إلى (989) مترا، ومن الشرق (839.4) مترا، ويعتبر السور من الجهة الغربية الأقصر حيث يبلغ طوله (635.8) مترا، أما ارتفاعه فيتراوح ما بين (11.6) إلى (12.2) مترا، وبهذا يبلغ الطول الإجمالي للسور 3662 مترا.

ويقوم عليه (34) برجا لغايات المراقبة والدفاع عن المدينة، وتوجد فوق أبواب السور بلاطات منقوشة بالنسخ العثماني، وهي تؤرخ إلى تاريخ البناء أيام السلطان سليمان القانوني، وإلى الأبواب التي فتحها.

فالبلاطة التي فوق باب العامود تحمل تاريخ (944هـ 1537م)، والتي فوق باب الأسباط (945هـ 1538م)، والتي فوق باب الخليل(945هـ 1538م)، والتي فوق باب النبي داود (947هـ 1540م)، أما التي فوق باب المغاربة (947هـ 1540م).

ويوجد تحت السور وإلى الشرق من باب العمود مغارة كبيرة، نسج حولها الكثير من الخرافات والأساطير تسمى مغارة "الكتان"، حيث تذكر بعض الأساطير أنها تمتد تحت الأرض حتى تتصل بالمغارة الموجودة تحت قبة الصخرة المشرفة، وقد كانت في القرن التاسع عشر عبارة عن محجر يقتطع منها سكان القدس ما يحتاجونه من حجارة لبناء منازلهم.

ويوجد في سور القدس أحد عشر بابا، سبعة منها مفتوحة، وأربعة مغلقة...أما السبعة المفتوحة فهي باب الأسباط، وباب العامود، وباب الساهرة، والباب الجديد، وباب الخليل، وباب المغاربة وباب النبي داود. لكل منها ميزة تاريخية وإجتماعية تجعله مميزاً عن الآخر...

الأبواب المفتوحة

              
*باب العمود

يقع في منتصف الحائط الشمالي لسور القدس، وهو أكبر أبواب المدينة وأكثرها إتقانا لفن العمارة الذي أشتهر به العثمانيين من بين أبواب المدينة الستة الباقية، لقد احتفظ الباب بشكل مدخله الأصلي، وهو على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، والشارع المؤدي إلى باب العمود هو شارع نابلس الرئيسي، ويقود الباب إلى الجزء الإسلامي من المدينة وهو الأكبر والأكثر حيوية من بين أجزاء المدينة القديمة، وتعلو هذا الباب قوس مستديرة قائمة بين برجين.

أما سبب تسمية باب العمود فقد كشفت حفريات جرت عام 1936م وجود بابين يعود أحدهما إلى زمن الإمبراطور (هادريانوس) الذي أسس مدينة "ايلياء كابيتولينا"، أما الباب الثاني فهو "هيرودوتس اغريباس" في منتصف القرن الأول الميلادي، وتظهر الكتابة فوق باب" هادريانوس" اسم المدنية الجديدة، والباب عبارة عن قوس ضخمة ترتكز على دعامتين من الحجارة القديمة المنحوتة نحتاً ناعماً، وقد أضيف عمود داخل الباب في أيام الإمبراطور هادريانوس نفسه، حيث يظهر العمود في خريطة الفسيفساء التي عثر عليها في الكنيسة البيزنطية في"مأدبا"، وقد بقى هذا العمود حتى الفتح الإسلامي ولذلك سمى العرب الباب "باب العمود"، وكان يدعى من قبل بوابة دمشق لأنه كان مخرج القوافل إليها.

*باب الساهرة

يقع إلى الجانب الشمالي من سور القدس على بعد نصف كيلو متر شرقي باب العمود، وباب الساهرة بسيط البناء، حيث بنى ضمن برج مربع، ويرجع إلى عهد السلطان سليمان العثماني، ويقول المؤرخون أن الصليبين أقاموا عند هذا الباب أول رأس جسر لهم على السور عند اقتحامهم للمدينة سنة 1599م، وكذلك كان يعرف عند الغربيين باسم باب هيرودوتس حيث يعتقد أنه يقود إلى قصر هيرودس.

وهناك روايتين لسبب تسمية هذا الباب بـ "الساهرة" حيث يقال أن المقبرة القريبة من الباب تعج باللذين لا ينامون الليل أي أصحاب السهر، وفي مقولة أخرى أن الباب قديما كان يدعى بـ "باب الزهرة" أي الوردة ومن ثم حرفت الى "الساهرة".

*باب الأسباط

واسمه يوحي بأن له علاقة بأسباط بني اسرائيل، والحقيقة هي أن المسلمين أطلقوا عليه هذا الإسم تيمنا بهؤلاء الأسباط، إلا أنه لم يثبت إطلاقا أن هناك علاقة لأسباط بني إسرائيل بهذا المكان، فهم قد ولدوا في جنوب فلسطين وعاشوا بعيدا عن القدس، ثم رحلوا الى مصر مع نبي الله يعقوب (عليه السلام)، وماتوا ودفنوا هناك مع أخيهم يوسف. وهو الباب الوحيد المفتوح على شرق المدينة مقابل جبل الزيتون، حيث إن باب الرحمة وباب الأسباط يقعان في الجدار الشرقي لسور البلدة القديمة، وفي واجهة باب الأسباط توجد كوات للرماية وشرفة بارزه بدون أرضية، استخدمت لسكب القار والزيت المغلي على رؤوس الجنود الذين يحاولون اقتحام أسوارالمدينة، ويواجه الباب جبل الزيتون ووادي قدرون في الجهة الشرقية من المدينة، وأسماه العرب  "باب أريحا" لأنه يؤدي إلى طريق أريحا، وأسماه المسيحيون "باب سانت اسطفان"، وهو أول الشهداء الشمامسة ويعتقد إما أن قبره يقع في المكان، أو انه رجم بالقرب من الباب.

ويسمى أيضا "باب ستنا مريم"، حيث هناك كنيسة تحمل هذا الإسم تبعد عنه نحو 500 متر، والتي تضم "كما يعتقد" رفات والدى مريم، كما يطلق عليه "باب الجثمانية" نسبة لكنيسة الجثمانية القريبة من كنيسة ستنا مريم،  أما التسمية الشائعة فهي "باب الأُسود"  وذلك لوجود زوجين من الأُسود في واجهة الباب، والتي تذكر حلما للسلطان العثماني سليمان القانوني، إذ انه عندما وقعت القدس تحت سيطرة القانوني بعد وفاة والده سليم الأول، الذي عندما حكم القدس كان سورها مهدما، فطالبه وجهاء القدس الذين استقبلوه بأن يعيد بناء السور ليحمي المدينة من هجمات غزاة آخرين، ولكنه لم يتسنى له ذلك، وورث ولده سليمان القانوني السلطنة، فتلكأ في بناء السور فحلم بأن الأُسود تطارده وتنوي افتراسه لأنه لم يعيد بناء سور المدينة، فوضع أربعة تماثيل لأُسود على باب الأسباط ما زالوا موجودين حتى اليوم، وذكر المؤرخون أن تماثيل الأُسود جلبها من قصور الفاطميين من القاهرة ووضعت مكانها، وقيل انه جيء بها من بناية للظاهر بيبرس.

أما النقوش على الباب فتذكر ألقاب سليمان القانوني التى من بينها لقب (مالك رقاب الأمم)، وأن  الباب بني عام 1538م، وتشير الكتابة "أمر بإنشاء هذا الباب مولانا السلطان سليمان بن السلطان سليم خلد الله ملكه بتاريخ سنة وخمس وأربعين وتسعماية".

وفي حزيران (يونيو) 1967م، اقتحمت فرق المظليين الإسرائيليين البلدة القديمة منه ووصلوا إلى الحرم القدسي الشريف، حيث رفع الجنرال الإسرائيلي مردخاي غور العلم الإسرائيلي على المسجد الأقصى، وكان ذلك سقوط القدس للمرة السادسة والعشرين في تاريخها بأيدي الغزاة.

*باب المغاربة (المحرقة)

وهو الباب المؤدي إلى الحي اليهودي في المدينة القديمة، يقع في الحائط الجنوبي لسور القدس وهو أصغر أبوابها، وهو قوس قائمة ضمن برج مربع سماه العرب باب المغاربة لأن مهاجرين من المغرب العربي كانوا يسكنون في هذا الجزء من المدينة في الوقت الذي بنيت فيها أسوارها في القرن السادس عشر الميلادي، وقبل أن يسمى هذا الباب بـ "باب المغاربة" كان هذا الباب قديماً يسمى "باب المحرقة"، لأن فضلات الطعام كان يلقى بها خارجا نحو وادي قدرون من خلاله ويشعلون بها النار، وصار وادي قدرون  يعرف بـ "وادي النار".

ويتعرض باب المغاربة حاليا إلى إعتداءات مستمرة ومتواصلة من قبل الاحتلال الإسرائيلي حيث عمل الإحتلال على هدم طريق باب المغاربة وقام ببناء جسر عسكري يستخدم لاقتحام المسجد الأقصى المبارك من قبل الشرطة الإسرائيلية والجماعات اليهودية المتطرفة.

وبحسب مخططات الإحتلال الإسرائيلي سوف يتم توسيع المنطقة المخصصة للنساء اليهوديات في ساحة البراق – ما يعني إقامة كنيس يهودي مكان المواقع الإسلامية المتضمنة في طريق باب المغاربة، وهذا ما سيؤدي إلى إغلاق هذا الباب أمام العرب والمسلمين، حيث  سيؤدي إلى أماكن دينية يهودية يتم إنشاؤها.

*باب النبي داود (صهيون)

يقع في الزاوية الجنوبية الشرقية للمدينة مقابل جبل صهيون (حصن يبوس)، وهو الجبل الذي تتوجه كنيسة الصعود والدير التابع لها، وينحدر الطريق من خلال هذا الباب ليقطع وادي قدرون، وهناك القلعة الكبيرة مربعة الشكل التي بداخل الباب وهي بناء أيوبي يعود إلى العام 1212 للميلاد، أما الباب فقد بناه السلطان سليمان القانوني سنة 1540م.

ويطلق عليه العرب "باب النبى داود" ويوجد فيه مقام النبي داود، وقد هجرت أسرائيل جميع المسلمين الذين كانوا يسكنون هذه المنطقة منذ عام 1948، حيث استولت آنذاك على مقام النبي داود، ومقامات ومساجد أخرى، وطردت العائلات التي تسكن في المكان وأكبرها عائلة الدجاني، وأسكنت يهودا مكان العائلات الفلسطينية التي شردت أو قتل أفرادها فى الحرب، ووضعوا أيديهم على المنطقة التي يطلق عليها (جبل صهيون) وهي تسمية يبوسية تعني الحصن، ويقع عليها عليّة صهيون – وهي مكان اجتماع رسل المسيح عليه السلام، ومكان العشاء السري، وفيها كنيسة ودير تابع لها يحاول الإسرائيليون السيطرة عليه، وعلى مقام النبي داود الذي تحول إلى كنيس يهودي بنيت غرفة خاصة لرئيس دولة إسرائيل، حيث تجرى احتفالات سنوية بذكرى تأسيس الكيان، وتم تحويل المسجد إلى مزار مسيحي، بإشراف دائرة الشؤون المسيحية في وزارة السياحة الصهيونية. وقد كان هذا الباب مغلقا من عام 1948م حتى عام 1967م.

*باب الخليل

ويسمى ايضا "باب يافا"، وهو فى الزاوية الجنوبية الغربية للسور حيث يقود الداخل منه إلى حي الأرمن، هدم مدخله الذي يشبه شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية سنة 1898م للسماح للإمبراطور الألماني قيصر ويلهلم الثاني بدخول المدينة راكباً، وتحكى أسطورة محلية يتناقلها الناس أن القبرين اللذين يقعان داخل الباب شمالاً، يعودان للمهندسين المعماريين الذين أعدمهما السلطان سليمان، لأنهما لم يجعلا جبل صهيون داخل أسوار مدينة القدس.ويذكر أن هذا الباب كان يغلق من غروب الشمس وحتى شروقها إبان الحكم العثماني.

*باب الجديد

فتح في الجانب الشمالي للسور على مسافة كيلو متر تقريبا غربي باب العمود، هذا الباب يؤدي إلى الحي المسيحي من المدينة، وهناك بعض المؤرخين يقولون أنه فتح بأمر السلطان عبد الحميد الثاني عام 1896م بناء على طلب بعض الحكومات الأوروبية، لكى يتمكن السكان المسيحيون من الخروج إلى المدينة من الضواحي الجديدة شمالي المدينة القديمة، لذلك سمي الباب أيضا بـ "باب عبد الحميد"، وهناك رأي آخر يرى ان هذا الباب يعود إلى أيام زيارة الإمبراطور الألماني (غليوم الثاني) لمدينـة القدس عـام 1898م

 

الأبواب المغلقة

باب الرحمة

باب الرحمة وباب التوبة هما بابان كبيران متلاصقان يعتقد انهما أغلقا في عهد صلاح الدين الأيوبي لأسباب أمنية، وهما في الحقيقة عبارة عن باب واحد، وسمى هذا الباب لدى الأجانب بالباب "الذهبي" لبهائه ورونقه، ويقع على بعد 200م جنوبي باب الأسباط في الحائط الشرقي للسور، وهو باب مزدوج تعلوه قوسان ويؤدي إلى باحة مسقوفة بعقود ترتكز على أقواس قائمة فوق أعمدة كورنثية ضخمة، وهو من أجمل أبواب المدينة ويؤدي مباشرة إلى داخل الحرم، ويسمى في أوساط المقدسيين بـ "باب توما"، ويعتقد أن هذا الباب هو أقدم أبواب القدس، وقد بناه الإمبراطور البيزنطي هيرقل حوالي سنة 627م على أنقاض باب آخر كان موجودا، وفي العهد الجديد ذكر باب الرحمة تحت إسم "البوابة الجميلة".

أما الأبواب الأخرى المغلقة فتقع في الحائط الجنوبي من السور قرب الزاوية الجنوبية الشرقية وتؤدي جمعيها إلى داخل الحرم مباشرة، وأولها ابتداء من زاوية السور "الباب الواحد" وتعلوه قوس، و"الباب المثلث" وهو مؤلف من ثلاثة أبواب تعلو كلا منها قوس، و"الباب المزدوج" وهو من بابين يعلو كل منهما سور، أنشئت هذه الأبواب الثلاثة في العهد الأموي عندما بنى الخليفة عبد الملك بن مروان قبة الصخرة المشرفة.

أبواب أغلقت مرات عدة وفتحت أحيانا كثيرة، هدمت ورممت وأعيد بناءها لأكثر من مرة، فهل ستفتح أمام الفلسطينين مسلمين ومسيحيين للصلاة في مقدسات البلدة القديمة؟؟؟.