خبر عاجل

نقاط مفصلية في الانتفاضة الكبرى 1987

نقاط مفصلية في الانتفاضة الكبرى 1987

نشر الأحد 16 ديسمبر, 2018 في تمام الساعة 13:08

نقاط مفصلية في الانتفاضة الكبرى 1987

يوسف عبد الحق

 

ليس سهلا على أي تحليل موضوعي لأي حدث عام لا زالت تأثيرات شخوص صُنّاعه وأفعالها  وازنة في حركة الواقع، أن يلقى قبولا عاما خاصة في المجتمعات التقليدية مثل المجتمع الفلسطيني،  يعود ذلك الى ثلاثة عوامل أساسية تتلخص في تسيد المصلحة الخاصة الفردية والفئوية مدعومة  بمقولة ليس في الإمكان أحسن مما كان ، و"ثقافة أنا وغيري بلى"، وعليه  نجد أن  معظم هذه  التحليلات مثلومة بفعل هذه العوامل الثلاثة.

شكل تراكم القهر الاستعماري الصهيوني ل فلسطين وشعبها  خاصة من يعيش منه تحت نير هذا الاستعمار، محركا اساسيا لهذا الشعب ومسيرته الوطنية بمختلف أطيافها، للتصدي لهذا الاستعمار وقمعه على طريق تحقيق حقوقه الوطنية في الحرية والاستقلال والعودة. فقد مارس هذا الاستعمار العنصري سياسات قمعية عنصرية ضد هذا الشعب في جميع المجالات من قتل واعتقال وتعذيب مرير ونهب للأرض والمياه وتدمير للمازل والمزارع وإفقار مجتمعي مخطط مغلف بانتعاش وهمي للدخل الفردي نتيجة العمل في الاقتصاد الإسرائيلي. صحيح أن  العامل الفلسطيني في الاقتصاد الإسرائيلي يحقق  دخلا أعلى من دخل مثيله في الضفة والقطاع ولكن ذلك على مستوى الاقتصاد الوطني أدى الى انهيار القطاع الزراعي وحصر القطاع الصناعي في مشاريع مكملة للاقتصاد الإسرائيلي مثل الخياطة وصناعة الأحذية والألبان إضافة الى الخدمات المرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي مثل السياحة وخدمات توصيل الكهرباء والمياه المنهوبة أصلا من  الثروة الطبيعية الفلسطينية.

يضاف الى ذلك تعمد الأمن الصهيوني تحقير الفلسطيني على المعابر والحدود والحواجز وخلال اعتقاله  بل وأثناء عمله في الاقتصاد الإسرائيلي بشكل رسخ في العقلية الفلسطينية سياسات الفصل العنصري التي سادت حكم البيض في جنوب افريقيا و كانت هذه السياسات ولا زالت  تطبق على الكبير قبل الصغير وعلى المثقفين والصحفيين  والاختصاصيين من المهنيين بما في ذلك أساتذة  المدارس والجامعات والطلبة إناثا وذكورا في محاولة صهيونية ممنهجة لفرض وهم تفوقهم العنصري على الشعب الفلسطيني كمدخل لهزيمة هذا الشعب من الداخل.

وقد جاءت جريمة أحد المستعمرين الصهاينة بدهس العمال الأربعة من مخم جباليا في غزة عند حاجز إبريز الاحتلالي  أثناء عودتهم من عملهم في الاقتصاد الإسرائيلي يوم 8/12/1987 ، مفجرة للغضب الفلسطيني ضد كل الوجود الصهيوني في فلسطين خاصة أن الظروف الذاتية والموضوعية للشعب الفلسطيني في ذلك الحين كانت مواتية لانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الكبرى. ففي الجانب الذاتي تمكنت القوى الوطنية ل م.ت.ف بفعل التطور الفكري المتراكم أن تعزز منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي، الوعي النضالي الوطني لدي القطاعات الجماهيرية الشبابية إناثا وذكورا من خلال لجان التطوع وانتخابات البلديات والعمل النقابي والأطر الطلابية في المدارس والجامعات خاصة أنه تم قبل الانتفاضة الكبرى التوسع في تأسيس الجامعات.

كذلك فقد تمكنت الحركة الأسيرة ل م.ت.ف وهي تقاوم السجان الصهيوني أن تعزز ثقافة المقاومة لدى الأسرى جيلا بعد جيل، وهو ما مكنهم بعد تحررهم من أن يشكلوا كوادر نضالية قيادية للجماهير الشعبية. حقا لقد حمل جيل الانتفاضة الكبرى طموحات الشعب الفلسطيني بوعي عميق  وإرادة لا تقهر وانتماء لا يتزعزع وصلابة  لا تكسر، كذلك فقد نضجت علاقة التلاحم بين فلسطينيي 48 وفلسطينيي 67  وسوريي الجولان المحتل منذ يوم الأرض عام 1976 ثم ترسخ هذا التلاحم  إثر اغتيال الشاباك الصهيوني لرؤساء البلديات في الضفة الذين  بحق شكلوا مقدمة صلبة لانطلاق الانتفاضة الكبرى.

والحق يقال أن جماهير هذه الانتفاضة كانت غاية في صدقية الانتماء، فقد كان التعاون والتعاضد بين الفلسطينيين في أول سنتين من الانتفاضة صادقا بشكل أسطوري فقد كانت الأسرة لا تتناول طعامها ألا بعد أن تطمئن على جيرانها وكانت الأسر تتجمع دوما عند مداهمة قوات الاستعمار الصهيوني لمنزل احد الجيران، كما  عملت المرأة رغم وضعها الاجتماعي التقليدي كل جهدها للقيام بالمهام  الانتفاضية دون تردد أو وجل. كانت منهجية الانتفاضة الطوعية  بعيدة كل البعد عن المثالب الفتاكة التي نخرت القيادة الفلسطينية في الخارج وخاصة القيادة المهيمنة على م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والتي تمثلت ولا زالت تتمثل في نهج التفرد والمال السياسي وقصر النفس، وعليه ظلت القيادة الفلسطينية نموذجا يحتذى في  نظر شعب الانتفاضة بصرف النظر عن واقعها المرير في الشتات، ودليل ذلك أن رابين رئيس وزراء  العدو حين ذاك زار بعض السجون  الإسرائيلية لمقابلة بعض الأسرى وطلب منهم تحديد ممثلين عنهم للحوار معه أجابوه " ممثلنا الشرعي والوحيد م.ت.ف" في تونس. 

ومن حيث الظروف الموضوعية كانت القيادة في تونس تركز عملها على الداخل الفلسطيني بعد خروجها من لبنان وبالتالي كانت بحاجة ماسة إلى الانتفاضة. كما شكلت الانتفاضة مدخلا لكل من سوريا والعراق و ليبيا والجزائر للتعويض عن ضعف أدائهم في دعم الشعب الفلسطيني خاصة بعد كامب ديفيد المصرية وفي معركة بيروت تحديدا. أما على المستوى الصهيوني وحلفائه فقد كان يعيش حالة من التبحج الوقح نتيجة اختراق كامب ديفيد المصرية وهزيمة م.ت.ف في لبنان خاصة مع المعلومات المتسربة له عن ضعف حال القيادة الفلسطينية في تونس. وبالتالي فوجئ تماما بقوة الجماهير الفلسطينية التي ملأت الشوارع والطرقات في كل المخيمات والمدن والقرى الفلسطينية في غزة والضفة بل وحتى في فلسطين 48 وذلك خلال أقل من  أاسبوع  مستخدمة في ذلك  سلاحين فقط هما  كثافة حشدها البشري من مختلف الأجيال  وامتداده على طول الضفة وغزة بل وحتى فلسطين 48 ، و سلاح الحجارة وذلك في مواجهة السلاح الصهيوني الفتاك . ولم تمض بضعة أيام حتى التحقت حماس بالانتفاضة وبالتالي باتت الانتفاضة هي عنوان الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات.

واصلت الانتفاضة فعلها بفعالية متزايدة طيلة أول سنتين تقريبا بالرغم من رفض حماس الانضمام إلى القيادة الموحدة للانتفاضة، فقد عملت حماس وقوى م.ت.ف  في السنة الأولى على تعزيز نضالها وتطوير فعاليتها بشكل مكثف دون حدوث اصطدامات بينها بل في كثير من الأحيان كان يتم التنسيق بينها ميدانيا وهو ما زاد من قوة الانتفاضة وفعلها  الأمر الذي دفع رابين إلى أن يكشر عن أنيابه ويقول "علينا ان نكسر عظامهم "، وقال في مناسبة أخرى " أتمنى أن أستيقظ من النوم والبحر قد ابتلع غزة" . وهكذا تصاعدت الانتفاضة يوما بعد يوم حيث  بدأ العصيان المدني من بيت ساحور وتوقف الفلسطينيون في الضفة والقطاع عن دفع الضرائب، وانتشر التعليم الشعبي البديل وبلغت الانتفاضة أوجها في مواجهة المستعمر الصهيوني الذي مارس تكسير العظام في ريف جنوب نابلس في شباط  1989 وقد جاء انعقاد  المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في تشرين الثاني 1988 دعما فعالا  زاد من فعاليات الانتفاضة في التصدي للمستعمر الصهيوني.

مع أواسط  عام 1989 انتقلت  القوى الفاعلة في الانتفاضة وطنية كانت أو إسلامية من التنافس في تطوير الفعل الانتفاضي إلى التنافس على النفوذ في توجيه الانتفاضة وهو ما أدي الى إضعاف الانتفاضة بشكل ملموس وعبد الطريق للصراعات الداخلية بين القوى الفاعلة في الانتفاضة خاصة مع تصاعد قوة حماس شعبيا وعسكريا من جهة وتصاعد توجهات القيادة المهيمنة على م.ت.ف نحو التفاوض مع العدو الصهيوني.

موضوعيا يمكن تحديد وسائل تهميش الانتفاضة باليد الفلسطينية بقصد أو بدون قصد  في النقاط التالية:

 أولا: من الناحية السياسية استعجال القيادة المهيمنة للتفاوض مع العدو الصهيوني حيث أعلن الرئيس الشهيد عرفات موافقته على قراري 242 و338 ونبذ العنف والإرهاب، و اعترافه بحق "اسرائيل" في الوجود والعيش بسلام وأمان في 14/12/1988 أي بعد سنة من انطلاق الانتفاضة. وهذا صعد الخلاف مع حماس والشعبية وغيرهما من القوى المعارضة مما ادى إلى تشتيت العمل الانتفاضي .وقد كان   الإستعمار الصهيوني يراقب تطورات الأحداث المحلية تبعا لما يجري في الخارج بما يدفع باتجاه انهاء الانتفاضة، إذ في احدى استدعاءات الشابك الصهيوني لأحد القيادات الفاعلة في الانتفاضه قال له: عليك ان تنتبه إلى مصلحتك تمشيا مع التغيرات القادمة.

ثانيا: استغلال المال سياسيا بمعنى منح الدعم المالي على أساس الولاء وليس التضحية والعطاء، وبالتالي شهدت ساحة الانتفاضة تغييب بعض القيادات وظهور قيادة أخرى تحمل الولاء للقيادة المهيمنة، وهذا ما عزز توجه حماس منذ البداية نحو  العمل من أجل أن تكون هي البديل القادم لقيادة الشعب الفلسطيني حيث عملت على تحقيق المزيد  من السيطرة المادية والمالية  والمعنوية على مزيد من المواقع النضالية الأمر الذي صعد من خلافها مع القوى الوطنية ل م.ت.ف وهو ما حول الانتفاضة من فعل شعبي واسع ضد المستعمر الصهيوني إلى صراع داخلي بهدف اقتسام مراكز النفوذ في فلسطين 67.

ثالثا: أدى المال السياسي إلى تراكم ثروات بعض القيادات في الداخل بحيث باتت الانتفاضة مصدر ثراء البعض دون حسيب او رقيب، وهذا ولد في المجتمع الفلسطيني في الداخل شكوكا في صدقية ما يجري، إذ من المفهوم توفير التمويل لتكاليف حركات الانتفاضة، ولكن الإثراء باسم الانتفاضة سينتج عنه قطعا انجرار الفاعلين في الانتفاضة باتجاه الإثراء سواء من المال السياسي أو من الخاوات التي انتشرت باسم الانتفاضة وولدت أمراء البطش هنا وهناك مما شكك في صدقية الانتفاضة وأضعف حاضنتها الشعبية.

رابعا: نتج عن كل ذلك انعدام الثقة في القيادة وبالتالي تراجع الفعل الانتفاضي لصالح الكسب المالي والنفوذ التسلطي ولذلك  ما إن  دخلت السلطة إلى الوطن حتى وجدت القيادة المهيمنة نصفها الآخر في الداخل وهو ما عزز قوة الدفع لدي هذه القيادة نحو المزيد من الغرق في مخطط أوسلو التصفوي. ومن الطبيعي نتيجة لذلك أن يتزايد الانقسام السياسي بين السلطة الفلسطينية ومعارضيها وهو ما شكل مقدمة لما نحن عليه الان من تفرد مطلق وانقسام جيوسياسي، وفساد عام وقمع للحريات  وشلل في الأداء، وتيه سياسي في ظلمة حالكة.

وأخيرا شر البلية ما يضحك، كيف يمكن للحكمان في الضفة وغزة أن يجدا وسيلة ليتفاهم عبرها كل منهما مع الاستعمار الصهيوني، وفي نفس الوقت يعجزان عن ايجاد وسيلة للتفاهم مع بعضهما البعض؟!

** أكاديمي ومستشار اقتصادي قانوني