ازدادت التقديرات بشأن واقع الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي تبدو في ضوء كل ما تنشره من أزمات واختناقات للأمن والسلام والاستقرار على المستويين العالمي والقاري، بأن أمريكا باتت مصابة بمرض، الداء فيه اسمه دونالد ترامب، وهذا التشخيص أكثر ما يصدر عن مسؤولين أمريكيين وأجهزة إعلام، وجدت فيما يتخذه الرئيس ترامب من قرارات ومواقف وإجراءات تصبّ في مجملها، حتى بالنسبة للداخل الأمريكي في إيجاد الأزمات أو افتعالها وفي إشاعة أجواء ملبدة من الفوضى في العلاقات السياسية الدولية وبالدرجة الأولى علاقات الولايات المتحدة مع الكثير والكثير من الدول، إلى حد أن كثيرين من قادة ورؤساء العالم لم يسلموا من شتائمه أو تحرشاته، ولا من ضغوطه وما يصدره من أوامر أو تعليمات لم يعد لها من سبيل في ظل الأحداث والغليان والمفاجآت التي يتعرض لها الأمن والسلم والاستقرار من هزات، وربما من زلازل، ولم يعد أحد لديه القدرة أيضاً على ضبطها أو التعامل معها بروح إيجابية وبنّاءة أو حتى بتحدّ يخفف من تداعياتها وما يمكن أن تحمله من آثار كارثية.
من المعروف أن السياسة الأمريكية ما قامت إلا على فرض الهيمنة والتسلط والتلاعب بأوضاع العالم وفق مشيئة وإرادة الادعاء بأنها قائدة للعالم «الحر» ومارست سياسات أبعد ما تكون عن العقلانية والمنطق، ناهيك عن خرق فاضح وانتهاك خطير لسيادة الدول على مقدراتها ومصيرها ومستقبلها. وعندما تشعر أمريكا بسياسييها أنها بعيدة عن توجه كهذا يفتعل الأزمات ويشعل الحرائق من أجل أن تكون هي الإطفائي المتحكم بمعالجة الأزمات أو إيجاد حلول مناسبة تعبّر عن الهيمنة الأمريكية «المعهودة»، ومسألة إشعال الحرائق عندما لا تكون هناك أزمات، هي نصيحة تمسك بها كثيراً كيسنجر، وباتت جزءاً من سياسة أمريكية ثابتة على امتداد أكثر من نصف قرن من الزمن، إلى أن جاء ترامب، فماذا فعل؟
بالمحصلة نجد أن ترامب قد أخذ بهذه النصيحة وها هو يشعل الحرائق في كل مكان من العالم، لكنه اصطدم بأن يكون الحل لهذه الأزمات أو الإطفائي لتلك الحرائق. وهنا مصيبة الولايات المتحدة، بل أزمتها العميقة في الداخل الأمريكي ولم يعد بإمكانها أن تكون «البلطجي» أو «أزعر الحارة»، على المستوى العالمي لافتضاح دورها التدميري والتفجيري المعادي للأمن والسلام.