من الصعب فهم احساس الازمة الذي يلف اليسار الان، بعد الانتخابات. فبعد كل شيء، فانه بالنسبة لكل من كان مستعدا لان يفتح عينيه على الواقع الذي خلقته 50 سنة من الاحتلال، الاستعمار والابرتهايد في المناطق، فقد كانت النتائج متوقعة تماما. فبالاجمال تتجسد التوقعات والنبوءات السوداء التي وجدت على مدى السنين تعبيرها في هذه الصحيفة مرة اخرى في كل حملة انتخابات: السياسة الوطنية المتمثلة بالعداء تحقق عندنا النجاح مثلما في اوروبا. ومظاهر الضعف التي يبديها الوسط – اليسار على نحو ثابت لا تنبع من مجرد اخطاء او نتيجة مصادفة لادارة سيئة “للحملة” بل تكمن في المبنى المشترك الواسع – الاجماع الشهير – الذي يؤدي بالمجتمع الاسرائيلي الى دولة أبرتهايد او الى دولة ثنائية القومية، خطر الحرب الاهلية يكمن لها في كل يوم بيومه.
لقد كانت هذه هي مشاكلنا الاساس حتى 9 نيسان، وهي ستكون كذلك في المستقبل ايضا. من ليس لديه حل آخر غير حل اليمين لمستقبل مجتمعنا، فلا ينبغي أن يتوقع من الحكم ان يسقط في يديه كثمرة ناضجة في يوم قطيف ناجح. لقد فشل أزرق أبيض حتى النهاية ليس فقط لانه جاء الى الساحة متأخرا جدا بل لان قيادته لم تعرف او لم ترغب في أن تمسك الثور من قرنيه: من لا يريد أن يصرخ بان القومية المتطرفة السامة، العنصرية والكراهية للعرب هي خطر وجودي على المجتمع الاسرائيلي لن يشكل ابدا بديلا حقيقيا لليمين. بالفعل، عدد كبير من المقترعين في الوسط – اليمين قالوا لانفسهم انه اذا لم يكن لثلاثة عناصر الحزب الازرق الابيض شيء جديد ليعرضوه، غير الاستقامة الشخصية والنزاهة، فمن الافضل الحفاظ على الاستقرار وعدم تغيير الحكم. اضافة الى ذلك، فمنذ متى كان الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية في السنوات الاخيرة – بما في ذلك ضمان مكانة المحكمة العليا التي هي لب الديمقراطية الاسرائيلية – هي القوة المجندة القادرة على اخراج الاغلبية الاسرائيلية الى حرب المتاريس؟
الحقيقة هي ان بني غانتس ورفاقه لم يعرضوا بشرى مثيرة للحماسة. مذهل كم هو الحزب الجديد يشبه التجمع المتنوع الذي كان يسمى في الماضي “المعراخ”. كل مظاهر ضعف اليسار وجدت فيه: يمين مباي الذي اعتزل وعاد، الا وهو رافي موشيه دايان وشمعون بيرس، رجال الكيبوتس الموحد واحدوت هعفودا، اسحق دافينكن من ا للجنة من اجل بلاد اسرائيل الكاملة، اسرائيل جليلي ويغئال الون مع مخططات الضم الخاصة بهما، ممثلو حركة الموشافيم الذين لم يكونوا اقل تطرفا من معظم رجال الليكود. لقد كان دايان هو سيد الحاخام لفينغر في الخليل، ووصف نفسه بانه المقرب الاكبر لمناحم بيغن منه الى مئير يعاري من هشومير هتسعير. له ولبيرس، ابوي الاستيطان في الون موريه، كانت مخططات عابثة بذات القدر من أجل الضفة الغربية. في مواجهة هؤلاء النشطاء لم يكن للمعتدلين في مباي شيء حقيقي يعرضوه فشطبوا بالتدريج. ولا ننسى حرب لبنان الاولى، الذي شغل فيها رابين الاول مستشارا غير رسمي لارئيل شارون، ورجال الهستدروت رفضوا المشاركة في المظاهرة ضدها. وهكذا ضاع حتى حكومة رابين الثانية ربع قرن حاسم منذ بدء الاحتلال.
أزرق أبيض يسير في طريق مشابه: فهو مثابة ليكود ب اكثر لطافة وثقافة، ولكنه متمسك في كل مواضيع الامن دون كلمة عن السلام، تقسيم البلاد ودولة فلسطينية. وبالتالي مثلما تدحرج حزب العمل من هذا نصف قرن مع توقفان قصيرة، من هزيمة الى هزيمة، فان الارزق ابيض ومعه المجتمع الاسرائيلي كله لا يطل معهه مستقبل وردي.