إن اندفاع موشيه فايغلين وحزب زهوت الى قلب النقاش السياسي الاسرائيلي استند الى مفهوم مهم، “حرية”. فايغلين صاغ بصورة صحيحة طموح انساني اساسي اثار تحمس الشباب. حسب رأيه ورأي رجاله فان الدولة ليست هي الحل، بل المشكلة. مثلما اعتقد رونالد ريغان ومارغريت تاتشر في الثمانينيات. الحرية هي سوق بدون حدود، بدون شبكات رخاء اجتماعية وبدون التزام بالضواحي. الحرية هي اقصاء الدولة من اقتصاد الاسرائيليين.
ولكن الفايغلينية تسعى الى حرية لقلائل – اليهود الاثرياء والاصحاء. من جهة اخرى هي تريد تدخل بالحد الادنى للدولة في الضم وفرض السيادة على المناطق المحتلة والحرم. كل ذلك يتم بثمن دموي فظيع وتنازل عن الديمقراطية لكل مواطني الدولة على ايدي جيش مهني يستند الى أبناء الفقراء. الى جانب كل ذلك تدخل بالحد الادنى في الاقتصاد. رجال اليمين الذين يتحدثون باسم الحرية يستندون الى تفسير سطحي جدا للفكرة، ويكثرون من الحديث بصورة متشككة بالاساس ضد التسويات الاجتماعية التي استهدفت الدفاع عن الاجزاء القابلة للمس بها في المجتمع. بالنسبة لليمين، الحرية هي فقط عدم تدخل الدولة في شؤون المواطنين، ولا يهم ماذا تكون النتيجة.
مثلا، عدم تدخل الدولة في توصيل البنى التحتية للسكان ذوي الاعاقة يتسبب بتقليص كبير في حريتهم في أن يأخذوا دور فاعل ومعقول في الحياة الاجتماعية وفي العمل وفي اوقات الفراغ. إن عدم تدخل الدولة لصالح تعليم الاطفال في المناطق الهامشية يمنع عنهم الحرية في تحقيق الامكانيات الكامنة الانسانية الكبيرة لديهم وأن يعيشوا الحياة التي يمكنهم ويريدون أ يعيشوها. عدم التدخل في المواصلات والسكن والصحة يؤدي الى نتائج قاسية وفجوات كبيرة في السياسة مع ممارسة حرة ومشوهة كهذه. عدم التدخل في سوق العمل يؤدي الى ضرر كبير في حرية الانتظام في نقابات والحصول على أجر عادل. عدم التدخل أدى الى الازمة الاقتصادية الاكثر عمقا في تاريخ امريكا، في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، التي تم حلها فقط بفضل تدخل الدولة العميق، التي نقشت على رايتها “الحرية للجميع”.
اختراع اليمين بأنه يوجد تصادم بين المساواة والحرية مخطيء من الاساس وسيؤدي الى عالم مع حرية أقل لمعظم الناس. خلال حصان طروادة، الذي اسمه “حرية مختبئة”، بالاساس محبة الحفاظ على وتعميق الوضع الراهن بالنسبة لتوزيع الموارد بين القلة من الاثرياء جدا وبين تقريبا كل باقي أبناء الشعب. في هذه الايديولوجيا فان تركيز كبير تقريبا لكل القوة والمال في أيدي عدد محدود جدا من الناس يعتبر اساس الاعتقاد الذي لا يجب أن تشوشه وقائع الحياة.
وكلاء الحرية لا تقلقهم مثلا حقيقة أنه في اماكن العمل المدراء واصحاب رؤوس الاموال يسمحون لانفسهم التصرف بغطرسة ومضايقة وحتى بالتحرش الجنسي تحت غطاء أنه من حق صاحب المشروع أن يفعل بممتلكاته ما يريد. تقييد الحركة، الاشراف التكنولوجي تمنع اغلبية الاشخاص من العيش كما يريدون خوفا على وضعهم الاقتصادي. من الصعب جدا القول بجدية أنه في وضع فيه معظم الناس مقيدين ويقعون تحت قوة باسم “الملكية الخاصة” هو وضع مثالي بالنسبة لوجهة نظر تؤيد الحرية. بنفس الطريقة، الحرية بمفاهيم اسرائيلية – يمينية هي لليهود فقط. الحرية في الاحتلال والتمتع بخيرات الاحتلال “بصورة حرة”.
من المحظور على اليساريين التنازل عن قيمة الحرية لليمين والادعاء فقط باسم المساواة. حرية مناسبة تعني القدرة على العيش حياة حسب المؤهلات والارادة. حرية تعني أن تكون متحرر من الخوف من ازمة مادية، التي تمكن اصحاب المصالح من جعل الناس يفعلون ما يريدونه خلافا لارادتهم. الحرية تعني اعطاء امكانية معقولة لكل طفل في التطور حسب مؤهلاته وميوله، وليس فقط حسب كبر جيب عائلته. الحرية هي امكانية النمو دون فرق في الدين والقومية والجنس. الحرية هي الحق السياسي في أن تنتخب وتُنتخب وأن تجسد الهوية القومية.
في خطابه المشهور في الحرب العالمية الثانية، صك الرئيس الامريكي، فرنكلين روزفلت، الحقوق الاربعة الموجودة في اساس رؤيته. احدها هو الحرية من العوز. الحرية هدفها ضمان لكل انسان وجود اقتصادي ومادي محترم. في اسرائيل التي فيها نسبة الفقر وعدم المساواة هي من النسب الاعلى في الدول المتقدمة، الحرية توجد في الاساس لاصحاب المال والقوة. والمحتاجون للسكن واطفال الضواحي وذوي الاعاقة والعمال الفقراء توجد لهم حرية ضئيلة جدا. إن عدم تدخل الدولة صحيح في قضايا مثل حرية التعبير والانتظام السياسي. ولكن مجتمع فيه الحرية هي من نصيب الجميع يجب أن تكون مساوية ومعقولة بدرجة عالية. أو حسب النص الصحيح لمارتن لوثر كينغ “ماذا يساوي الحق في الجلوس في مطعم اذا لم يكن لديك المال لتأكل به”.