خبر عاجل

" إسرائيل " ما بين الفكرة والدولة القومية " 69 " جزء 4+5+ 6

" إسرائيل " ما  بين الفكرة والدولة القومية " 69 "  جزء 4+5+ 6

نشر الاثنين 29 يوليو, 2019 في تمام الساعة 06:00

" إسرائيل " ما  بين الفكرة والدولة القومية " 69 "  جزء 4+5+ 6

 * مستوطنات  المرحلة الاولى

* عبدالحميد الهمشري -  كاتب  وباحث في الشأن  الفلسطيني

 

 

في هذا الجزء من الحلقة سنتناول الفترة  الثانية  من النشاط الاستيطاتي اليهودي في فلسطين والتي تمتد من العام 1881 وحتى العام 1990الفترة من المرحلة الأولى، حيث ارتبطت هذه الفترة بموجة الهجرة اليهودية التي ارتبطت بمشاركة بعض اليهود الفوضويين عام 1881م باغتيال قيصر روسيا ألكسندر الثاني، وما صاحب هذا الاغتيال من عداء لليهود في كافة أنحاء روسيا القيصرية ودول أوروبا الشرقية، واستغلال موجة العداء هذه من قبل الجمعيات اليهودية التي كانت منتشرة في روسيا القيصرية وأوروبا الشرقية لتهجير يهود روسيا بأعداد كبيرة إلى فلسطين. حيث لعبت جماعة (بيلو) الدور الأساسي في تهجير اليهود الروس إلى فلسطين، وإقامة المستوطنات لهم، ووصلت أول طلائع المستوطنين اليهود عام 1882م، وكانت تضم المتحمسين من الطلبة، الذين كانت لديهم الرغبة

وقد جرى نشاط مكثف لبناء العديد من المستوطنات بالجهود الفردية والجماعية، وقد مثل العنصر الروسي العنصر الأساسي خلال هذه القوية في إحياء الوطن القومي لليهود في فلسطين من خلال مجموعة المستوطنات التي قاموا بإنشائها .

وقامت جماعة ”أحباء صهيون بتوطينهم في فلسطين، وقامت بإنشاء عدة مستوطنات زراعية بها، وقد تسلل إلى فلسطين من خلال حركة محبي صهيون أعداد كبيرة من اليهود. ..حيث كانت هذه المستوطنات تشبه إلى حد كبير القرى الزراعية في أوروبا، والتي كانت على شكل مزارع على طول الشوارع داخل كل مستوطنة، وتم تقسيم هذه المزارع إلى وحدات زراعية تخصصت في محصول معين في الوقت الذي بلغ فيه عدد المنازل بها ما بين 150 و200 منزلاً، مع قليل من الخدمات كمدرسة، ومستشفى صغيرة.

وقد هاجر في هذه المرحلة عدد من يهود اليمن بعد انتشار شائعات عن شراء البارون روتشيلد أراضي واسعة في فلسطين، وقيامه بتوزيعها على اليهود لإقامة مستوطنات زراعية عليها.

وبعد أن فُرض على اليهود قيود صارمة في عهد القيصر الروسي إسكندر الثالث، وفدت أعداد كبيرة منهم إلى فلسطين، وقد تمكن المستوطنون اليهود من إقامة عدد من المستوطنات الزراعية؛ وأدى وصول هؤلاء اليهود إلى بعث الحياة مرة أخرى في مستوطنة “,”بتاح تكفا“,” و“,”روش بناة“,”، وإلى إنشاء مستوطنات جديدة، هي: “,”زخرون يعقوب“,” على جبل الكرمل، و“,”رشون لزيون“,” و“,”عين قارة“,”، و“,”تيس تسيوناه“,” في وادي جنين، ولكن هذه المستوطنات واجهت نفس الصعوبات التي واجهها المستوطنون في المرحلة السابقة، ولم يستطيعوا الاستقرار في الريف، وكادوا يهجرون هذه المستوطنات كما فعل بعض المستوطنين الأوائل.

وقد أقام اليهود هذه المستوطنات وغيرها بأساليب التحايل، مستغلين ضعف الأنظمة والقوانين العثمانية، واتخذوا بعض أساليب الرشوة مع الموظفين الأتراك، إلى حد مكنهم من الاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي وإقامة مستوطنات عليها؛ وبذلك أسس المستوطنون مستوطنات “,”رشولزيون“,”، و“,”زخرون يعقوف“,” و“,”روش بناة“,” عام 1882م، وأسسوا عام 1883م “,”يسودهمعلاة بتشلومو“,”، ومستوطنة “,”جديرا“,” عام 1884م.

في  هذه الفترة من المرحلة الأولى لعبت المساعدات اليهودية من أثرياء اليهود دوراً كبيراً   في دعم المستوطنات اليهودية، وجاءت بالتحديد من البارون “,”إدموند  دي روتشيلد“,”، الذي خصص إعانة شهرية لكل أسرة من المستوطنين، وساعد على استنباط وسائل جديدة للفلاحة تتناسب وظروف البيئة، واستقدام الخبراء من فرنسا ليعلّموا المستوطنين أصول الفلاحة ، وقام بتشكيل عدة لجان من خبراء الاقتصاد والزراعة والتربة لدراسة الأوضاع، وأخذت الأموال اليهودية تتدفق على المستوطنين، وتمكنوا من إحياء مشاريعهم وتوسيعها، وشراء أراضٍ جديدة، وبناء مستوطنات جديدة عليها، لجلب المزيد من المهاجرين اليهود، وأدخلوا بعض الصناعات داخل المستوطنات التي تعتمد على منتجات زراعية .

يضااف إلى ذلك  الدعم الكبير من جانب الجمعيات اليهودية، وعلى رأسها جماعة أحباء صهيون. وقد تنبهت السلطات العثمانية لخطر بناء المستوطنات اليهودية في فلسطين  فقامت بمنع استيطان اليهود بفلسطين في شهر إبريل عام 1882م، ولكن جماعة أحباء صهيون لم تعبأ بقرار المنع، واستمرت في أساليبها لإقامة المستوطنات .

وقد عرفت رسمياً بهذا الاسم عام 1887م، وانبعث حماس الجماعة من جديد عندما قامت السلطات العثمانية عام 1890م برفع الحظر عن إقامة مستوطنات لليهود في فلسطين ، وقد انعقد مؤتمر الجماعة في أوديسيا عام 1890م، وألّفت لجنة للإشراف على الهجرة وعمليات شراء الأرض، وإقامة مستوطنات جديدة حول مدينة يافا، وتم تشجيع العديد من أعضاء الجماعة على الهجرة إلى فلسطين والمضاربة بأسعار الأرض  ما أثار حفيظة العرب، فقامت الحكومة العثمانية بإغلاق المكتب التنفيذي للجماعة في يافا عام 1891م، وتكبد المغامرون اليهود خسائر فادحة، واقتصر نشاط الجماعة على تقديم مساعدات إلى المستوطنين، وإقامة مستوطنات جديدة، ومساعدة المستوطنات القائمة.

وقد استطاع المستوطنون في أواخر هذه المرحلة أن يثبّتوا أقدامهم في الأراضي الفلسطينية، وأنشأوا في أواخر عام 1898م حوالي 22 مستوطنة، منها 19 مستوطنة زراعية بلغت مساحتها 275.000 ألف دونم، يعيش بها  نحو 4983 مهاجر يهودي، اهتموا بتطوير زراعة العنب وتصنيعه، وأنشأوا في مستوطنة “,”زخرون يعقوف“,” مركزاً لصناعة النبيذ، ولا يزال من أكبر مراكز النبيذ في الكيان العبري الآن، وبلغت تكاليف إقامة هذا المركز الملايين من الفرنكات الذهبية..  ورغم إنشاء العديد من المستوطنات التي تحولت فيما بعد إلى مدن مثل الخضيرة ومطولاة وبتاح تكفا، فإن هذه المرحلة لم تؤد إلى تغير حاسم في جغرافية التوطين اليهودي في فلسطين؛ فقد بدأ المستوطنون الوافدون في الاستقرار في المدن، وخاصة يافا، وبدأوا بالعودة إلى سجيتهم اليهودية الأصلية  فشرعوا يضاربون في الأرض بدلاً من الاشتغال بالحرف الإنتاجية، وبخاصة الزراعة، وأدى هذا إلى عرقلة النشاط الاستيطاني، وأثار الدولة العثمانية ضدهم والتي منعتهم للمرة الثانية من تملك الأرض وإنشاء مستوطنات جديدة  من هنا يتضح  أن الدولة العثمانية اسهمت  إلى حد ما في نجاح النشاط الاستيطاني على الأرض الفلسطينية  وتمدده فيها من خلال قوانينها التي كانت تسمح بهذا  النشاط أو توقفه ، ناهيك عن فساد الإدارة العثمانية التي  كان يسري في جنباتها الفاسدين والمفسدين الذي لم يكونوا يولون لقرارات الدولة الاهتمام بقددر  ما كان يهمهم  الحصول على المكاسب المادية من وراء هذا الاستيطان اليهودي.

وأخيراً يمكنني القول أن الجهد الاستيطاني  المبذول  في  هذه  الفترة من المرحلة الثانية أثمر عن  وضع الأسس  والقواعد التي أمكن من خلالها امتلاك الأرض في فلسطين لاستيعاب مهاجرين جدد  من مختلف أماكن الانتتشار اليهودي في العالم لمآرب دينية وسياسية استعمارية حيث أصبحت المستوطنات اليهودية في نهاية الفترة الثانية من المرحلة الأولى عبارة عن مراكز تجمعات يهودية فردية، تميزت بانغلاقها على نفسها، وعدم اتصالها بالسكان العرب، إلا من حيث استخدام العمال، وإن تميزت عن الفترة الأولى بعدم استخدام العمال العرب في زراعة المستوطنات، بينما كان العنصر المميز للفترة الأولى استخدام العمال العرب في زراعة المستوطنات، وقد أثرت أعداد المهاجرين اليهود على أعداد المستوطنات فلم تتعد هذه المستوطنات 28 مستوطنة خلال الفترتين، ودعم موقف هذه المستوطنات القوة البشرية الكبيرة القادمة من روسيا وشرق أوروبا، وهناك اختلاف جوهري بين الفترتين في تطور المستوطنات اليهودية، من حيث أن المستوطنات الأولى في الفترة الأولى لم تكن ذات دوافع استيطانية  وذلك لأن نسبة كبيرة ممن أقاموا فيها كانوا من يهود فلسطين، ولم تكن لهم دوافع استعمارية، وإنما كانت دوافعهم دينية ، وأن المستوطنات في الفترة الثانية كانت ذات دوافع استعمارية، تقوم في الأساس على الاستيلاء على الأرض، وإثبات توطن يهودي بها كما أنه في كلتا الفترتين لم يكن لدى المستوطنين اليهود دراية بزراعة المستوطنات واستغلال الأرض، ولكن مع اختلاف الطريقة الاستغلالية للأرض، ففي الفترة الأولى اعتمد اليهود أصحاب المستوطنات على الأيدي العاملة العربية في استغلال الأرض. أما في الفترة الثانية فقد اعتمدوا على أنفسهم في الزراعة، وإن أخفقوا في البداية، إلا أنهم استمروا مع مرور الوقت إ لى جانب  أنه  في الفترة الأولى لم تلق المستوطنات الدعم المطلوب والكافي لاستمرارها، بينما في الفترة الثانية تلقت الدعم الكافي والمطلوب ما أدى إلى استمرارها، بل وإعادة إنشاء المستوطنات التي هجرت في الفترة الأولى ، ناهيك عن العشوائية في الفترة الأولى، واعتمادها على الجهود الفردية بدون تنظيم، بينما في الفترة الثانية كانت بداية للتنظيم المتقن، الذي استمد وجوده من المؤسسات اليهودية العالمية التي مثل تداخلها بداية التنظيم المخطط لإنشاء المستوطنات في فلسطين.

Aabuzaher_2006 @yahoo .co m