خبر عاجل

الانتخابات التونسية و«النهضة».. تساؤلات مُقلقة!

الانتخابات التونسية و«النهضة».. تساؤلات مُقلقة!

نشر السبت 05 اوكتوبر, 2019 في تمام الساعة 13:07

الانتخابات التونسية و«النهضة».. تساؤلات مُقلقة!

فيصل علوش

لم يستوعب إسلاميو تونس إلى الآن أسباب تراجع قاعدتهم الانتخابية على هذا النحو المتسارع، فمنذ سنة 2011 إلى انتخابات الرئاسة الحالية، تقلصّت شعبية حزب «النهضة» من حدود مليون ونصف المليون ناخب إلى حدود 400 ألف فقط.

وكانت الانتخابات الرئاسية بمثابة «صاعقة مدوية» دفعت رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، إلى التحرّك في كل اتجاه لتطويق الخسائر، خصوصاً وأنّ استطلاعات الرأي تضع حزب «قلب تونس»، بزعامة نبيل القروي، في المرتبة الأولى بالنسبة للانتخابات التشريعية.

وعلى وقع الخشية من خسارة «التشريعيات»، يستحضر الغنوشي سيناريوهات متعددة لتخويف الناخب، وتتعالى تحذيراته وتهديداته المبطنة من الفوضى وحدوث الفراغ، مع تحميل مسؤولية الفشل وتدهور أوضاع البلاد إلى الأحزاب الأخرى، في محاولة يائسة لاحتواء المأزق الذي يتهدّد حركته ومشروعها السياسي.

وفي سبيل ذلك، عاد الغنوشي لمغازلة «شباب الثورة» الناقمين على الأحزاب الحاكمة، واستعادة الشعارات والأفكار القديمة التي طرحت إبان الثورة، فضلاً عن محاولة الإمساك بقيس سعيّد كـ«قشة نجاة أخيرة» له.ويحاول الغنوشي وغيره من قيادات النهضة التقليل من وقع هزيمة مرشح الحركة، عبدالفتاح مورو، في الانتخابات الرئاسية، وذلك عبر الإيحاء بأنّ من صوّتوا لقيس سعيّد في غالبهم من جمهور النهضة، ما يعني أنها «ستكون صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان»، على حدّ قوله!.

ويعود سرّ ارتباك الغنوشي إلى التخوّف من سقوط «سردية كاملة» رسمها لنفسه منذ 2011، لجهة دور حركته في المشهد التونسي، ووضع تنظيمه الداخلي ذي الخلفية الإخوانية. وتقوم هذه السردية على اعتبار «النهضة» قوة مفصلية في الانتقال الديمقراطي، وأن عمقها الشعبي يسمح لها بأن تكون «الجهة الضامنة للاستقرار في تونس».

وقد عمل الغنوشي على تسويق هذه الفكرة، (مقابل القبول بحركته كشريك دائم في العملية السياسية)، لدى دول أوروبية معنية بشكل مباشر بالوضع التونسي، وتسعى إلى تجنّيب البلاد المآلات المأسوية التي وصلت إليها بلدان أخرى، وخاصة مع وجود المئات من المقاتلين التونسيين في بؤر التوتر المختلفة، وهو ما يُزعج كثيراً الدول الغربية.

تفجّر الخلافات الداخلية

وما يقلق الغنوشي أيضاً هو تفجّر خلافات الحركة الداخلية، وخروجها إلى دائرة العلن، بل ووصولها إلى حدّ الطلب من الغنوشي نفسه «اعتزال السياسة والتزام بيته ومحرابه»، وفق ما جاء في الرسالة العلنية التي وجّهها المدير السابق لمكتبه، زبير الشهودي. هذا فضلاً عن أسماء كثيرة كانت غادرت الحركة وآثرت عدم التعبير العلني عن امتعاضها، منها القيادي والوزير السابق حمادي الجبالي، وقبله رياض الشعيبي، ولم يتردد عبداللطيف المكي ومحمد بن سالم مؤخراً، من التعبير علناً عن امتعاضهما من قيادة الغنوشي، الذي طالما كان خارج دائرة الانتقاد العلني!.

ومن الواضح أن الغنوشي وغيره من قيادات النهضة يدركون أنّ مشاركتهم في الحكم، دفعت جزءا من جمهور النهضة للابتعاد عنها، وأن استمرار الحركة في «خطاب التهدئة والتوافق»، يمكن أن يعرّضها لخسارة الانتخابات التشريعية، ولعلّ هذا ما يمكن أن يفسّر «الخطاب الحادّ للغنوشي ضد الفساد والفاسدين، واستعادة مفردات الثورة والثوار»!، مع أن حزبه يتلقّى اتهامات واسعة بأنه «ساهم في تبييض صفحة متورطين في الفساد، وأنه خلق حزاما جديدا حوله من المستفيدين من السلطة».

«استعادة الماضي»!

ومن الأفكار القديمة التي عادت النهضة لتداولها وتقدّيمها لجمهورها «الغاضب» على أمل استعادته إلى صفها، «العودة إلى صندوق الزكاة لحلّ أزمة الفقر، وإحياء نظام الأوقاف والحبس التي تتيح للمؤسسات الدينية أن تتحرك باستقلالية تامة عن الدولة».

ولا شك أنّ الهدف من ذلك هو «الاحتماء من الضغوط»، والإيحاء بأن الحركة تمتلك حلولاً سحرية للأزمات، وأنها تستمد أفكارها من الشريعة ومن هويتها الأولى، وهو ما يعني تبرئة ذاتها أمام الجمهور التقليدي لها الذي بات يتهمها بـ«التخلّي عن الثوابت، وبأنها تركت الدين وراء ظهرها في امتحان السلطة».

فهل يقدر الغنوشي فعلاً على خداع جمهور الغاضبين؟، وعلى الانقلاب على «التفاهمات القديمة» التي كان أبرزها «لقاء الشيخين» في باريس صيف 2013، الذي أسّس لتوافق مُعيّن بين النهضة والدولة العميقة في تونس؟!.