خبر عاجل

يوميات شاب في الحجر الصحي

يوميات شاب في الحجر الصحي

نشر السبت 14 مارس, 2020 في تمام الساعة 13:48

منذ الخامس من الشهر الجاري، تحول الفندق الذي كان يعج بالسياح في مدينة بيت لحم إلى مركز للحجر الصحي، فحينها قرر الشاب أنطوان السقا التطوع من أجل مساندة أصدقائه في الفندق، وكان يتحتم عليه أن يتخذ هذه الخطوة كونه كان ملازما لاثنين من القائمين عليه.

انضم للسقا ثلاثة شبان آخرين كمتطوعين في فندق "أنجل" بالمدينة، وذهبوا إلى الفندق يوم الإعلان عن إصابة 7 أشخاص بفيروس "كورونا"، وأجروا فحوصات تبين نتيجتها أنها سلبية، لكنهم أصروا على البقاء حتى الخروج من المحنة.

يقيم السقا مع المتطوعين الثلاثة وخمسة موظفين آخرين في الطابق الأرضي من الفندق، فيما يقين المحجور عليهم في الطابق الثاني، أما المصابون بالفيروس في الطابق الثالث، وخصص للثلاثين شخصا المتواجدين في الفندق غرفة خاصة لكل منهم.

شكل اكتشاف الحالات السبع في أول يومين حدثا صادما للمتواجدين في الفندق، الأمر الذي فرض عليهم واقعا جديدا عليهم التعامل معه بدقة وبإجراءات صارمة حتى لا تتفشى العدوى فيما بينهم.

يبدأ صباح السقا بتنظيف الغرفة التي يقيم فيها بعناية فائقة، وتهويتها وإخراج الفضلات منها بأكياس بلاستيكية محكمة الإغلاق، ثم يقوم بتعقيم كافة محتويات الغرفة، وصولا إلى الخضوع للفحص الدوري من قبل طبيب وزارة الصحة.

قسّم المتواجدون في الطابق الأرضي أنفسهم كمجموعات، حيث تقوم مجموعة في الفترة الصباحية بتزويد المحجور عليهم والمصابين بالطعام والفيتامينات المقوية لمناعة الجسم، وتستخدم عربة معقمة لطابق المصابين وأخرى لطابق المحجور عليهم، وبعد الانتهاء من مهمة التوزيع يتم إخراج العربات خارج الفندق من أجل التهوية والتعقيم.

أما المجموعة الثانية التي يبدأ عملها في فترة الظهيرة، تكون مهمتها كمهمة المجموعة الأولى لكن يرافقهم طبيب الذي يجري فحوصات دورية، ويستفسر من المصابين والمحجور عليهم عن أوضاعهم الصحية، إن كانوا يعانون أية مضاعفات.

 استلم نزلاء الطابق الأرضي البدلات الواقية وكمامات من نوع (N 95) في اليوم الثالث من الأزمة، وشكل توافر هذه الأدوات نوعا من الطمأنينة والحماية لهم، لكنهم استمروا في ذات الإجراءات الوقائية التي اتبعوها منذ اليوم الأول حسب التوجيهات التي تصل لهم تباعا من قبل الجهات المختصة.

هذه الإجراءات يوضحها السقا، بأنه عندما تبدأ مهمة المجموعة بفترتها في توزيع المستلزمات يرتدون البدلات الواقية والكمامات، وعندما يصلون غرفة أحد المحجور عليهم أو المصابين فإنهم يضعون الطعام والأدوية عند باب الغرفة، ثم يبتعدون مسافة 4 أمتار ويتصلون على المقيم بالغرفة من أجل أخذها ثم إغلاق الباب خلفه.

أكثر ما يحتاجه النزلاء في الفندق في الوقت الراهن -حسب السقا- هو الدعم النفسي الذي يركز عليه الأطباء في هذه المرحلة، ذلك جعلهم يشعرون أنهم عائلة واحدة يرفعون من معنويات بعضهم البعض، وأن خروجهم من هذه المحنة منوط بالصبر والتحمل.

شكلت وفاة والدة أحد المحجور عليهم وهو شاب يبلغ من العمر (24 عاما) أكثر المواقف صعوبة للمتواجدين في الفندق، وكون خروجه من الفندق لوداع والداته سيشكل ربما عدوى لأهله وأقاربه، فكان لا بد من إيجاد طريقة حتى يتمكن من إلقاء نظرة الوداع عليها، وبذلك تواصل المتطوعون مع مختلف الجهات من أجل تأمين مطلبه، وكان الخيار بأن تأتي الجنازة عند باب الفندق، ويودعها بعد أن يرتدي اللباس الواقي، وهذا ما حدث.

يقول السقا: الشاب مدرسة من المسؤولية والوعي، وكان يدرك بأن خروجه سيشكل خطورة على أهله، ولم يحدث ضجة ورغبة شديدة بالخروج، لكن كان يطلب بأن يلقي على والدته المتوفاة النظرة الأخيرة، وهذا من حقه، وقاتلنا من أجل أن نحقق مطلبه.

ويكمل: توجد في الفندق سيدة في الخمسينيات من عمرها، وهي بحاجة لشبه مراقبة دائمة لكنها في وضع صحي مستقر ولم يطرأ عليها أي مضاعفات، ونتواصل معها على الدوام من خلال الاتصال بالفيديو من أجل رفع معنوياتها وطمأنتها.

يتمنى السقا ألا تطول محنتهم، حيث أجرى فحصا أوليا في الخامس من الشهر الجاري وسيجري فحوصات أخرى نهاية الأسبوع الحالي، وفي حال ظهرت النتيجة سلبية سيعود إلى بيته وسيحجر لمدة أسبوعين، وهذا الحال ينطبق على جميع المتواجدين بالفندق من المصابين والمحجور عليهم أيضا.

ونوه إلى أن الكمامات من نوع (N95) نادرة في السوق، وبالتالي فهي مخصصة فقط لمن يتعاملون مع المصابين.

وعن تاريخ المحاجر الصحية في فلسطين، يتحدث الكاتب علي حبيب في مقال عن كيف تعامل الطب الشعبيّ مع الأمراض المعدية في فلسطين، والتي اتسعت مع حركة الهجرة والغزو، وعرف من هذه الأوبئة والأمراض حينها مثل: الجدري، والجذام، والملاريا.

ويقول حبيب، قبل الطب الوقائي كان أهل البلاد يعزلون المريض في المغر والآبار على أطراف القرى، ومصانع الشيد، وأديرة الكنائس، والتكايا الصوفية، فيما اتخذ البعض خاصة المجذومين الأنهار وضفافها ملاذا لهم، بالأخص نهر الأردن لقداسته الدينية لدى مسيحيي فلسطين.

ويضيف: في عام 1799 بعد احتلال نابليون مدينة يافا أنشأ فيها محجرا صحيا لعلاج جنوده المصابين بالطاعون، وفي عام 1831 ثبتت ملامح الطب الوقائي بشكل ممنهج، حيث أنشأت المحاجر الصحية وقطعت الطرق عن المناطق الموبوءة.

ويتابع الكاتب: في عام 1835، أقام محمد علي باشا محاجر صحية في كل من عكا وشفاعمرو وتشريحا وغزة، لمعالجة جنوده من الملاريا والكوليرا، مستثنيا أهالي البلاد، وفي ذات العام أذن بفتح محاجر صحية في يافا لاستقبال الحجاج المسيحيين، وكانت الطواقم تنتظر الوافدين في قارب وتقودهم إلى مركز الحجر الصحي في الميناء.

 

 وفا- إيهاب الريماوي