خبر عاجل

إسرائيل وقطر: علاقات الظلّ والتخادم... و«حقائب المال»

إسرائيل وقطر: علاقات الظلّ والتخادم... و«حقائب المال»

نشر الاربعاء 18 مارس, 2020 في تمام الساعة 11:56

باتت علاقة إسرائيل بقطر علاقة وظيفية بحتة، ونوعاً من التخادم غير المتكافئ بين الجانبين، ومن مصاديق ذلك أنه لما تقدّر أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أن مفاعيل الحصار شبه المطبق على غزة بات ينذر بانفجار، سرعان ما تستدعي تل أبيب الأموال القطرية، فيما تلبي الدوحة الطلب بلا إبطاء
تذبذبت العلاقة القطرية ــــ الإسرائيلية عبر الأعوام الماضية تبعاً للظروف وتغيراتها على الصعيدين الفلسطيني والإقليمي، وذلك من شبه علاقات دبلوماسية إلى قطيعة فخصومة، ثم تحابب فاختلاف فعودة إلى علاقة تطبيعية بمستويات تفوق طبيعتها ومضمونها التطبيع الذي يربط تل أبيب بعواصم خليجية أخرى. واليوم باتت الدوحة واحدة من الوسائل التي يستخدمها الاحتلال لإدامة حصاره على قطاع غزة، وكذلك تطويع السلطة في رام الله إلى ما يدفعها إلى التذمر، الأمر الذي يجعل الأموال القطرية أحد مكونات القدرة الإسرائيلية على مواصلة المواجهة ضد الفلسطينيين، وإن اتخذَ ذلك شكلَ التدخل الإنساني.
ما يلفت تل أبيب في موقف الدوحة هو التغيير الذي طرأ عليه من القضية الفلسطينية، تماماً كما حال معظم الأنظمة الخليجية، علماً بأن الموقف القطري كان سبّاقاً مع سلطنة عمان إلى التقرب من إسرائيل وإن على حساب القضية الفلسطينية. التغيير، كما تراه إسرائيل، هو انتهاء الرؤية «المنحازة» إلى الفلسطينيين وفقاً لمعادلة المعتدي الإسرائيلي والضحية الفلسطينية، ليتحول الموقف إلى «حياد إيجابي»، مع تداخل عوامل خارجية؛ من بينها إرادة التمايز عن السعودية والتملق للأميركيين، وهو ما يجعل الدوحة أكثر التصاقاً بل ربما تعبيراً عن مصالح إسرائيل. مع ذلك، تبقى الإمارة موضع شك إسرائيلي، وبعبارة أخرى: لا ترحيب كاملاً بها، على خلفية الإرادة الإسرائيلية للتقرب من باقي الخليج الذي يخاصم قطر، وهو ما عمدت إليه إسرائيل خلال الأزمة الأخيرة، بالوقوف إلى جانب الرياض وأبو ظبي.
في ورقة بحثية صادرة عن «المعهد الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية» (ميتافيم) قبل أيام، تحت عنوان «إسرائيل وقطر: علاقات الظل والقضية الفلسطينية»، للباحث في المعهد والمحاضر عن دول الخليج في جامعة بن غوريون، ميخائيل يعاري، ثمة تنويه بالعلاقات التي تجمع إسرائيل بقطر، وإن طالب بضرورة تفعيلها أكثر عبر «المواظبة على بناء الثقة بين الجانبين بعد مسار طويل من التذبذب». وفق الورقة البحثية، تبنّت قطر على مر السنين موقفاً براغماتياً من إسرائيل أملته «مصالحها الوطنية»، فيما يمكن إرجاع جذور هذه العملية إلى التسعينيات حين كان هناك رفض واسع للاتصال بإسرائيل ما دامت القضية الفلسطينية دون حل كامل. لكن قطر شاركت في «مؤتمر مدريد»، ثم بدأت تفعيل عملية بطيئة نحو علاقات أفضل.
 
بداية القصة
بعد مدة وجيزة من انتهاء حرب الخليج الأولى عام 1991، كان موقف قطر «متميزاً» من إسرائيل قياساً بجيرانها، إذ أعربت عن رغبتها في إعادة النظر في سياسة المقاطعة العربية إذا جمدت إسرائيل البناء الاستيطاني. ثم بعد «أوسلو» (1993) أُحرز مزيد من التقدم بين الجانبين وخفّت حدة «النغمة العدائية» في الإعلام القطري، بل نوقشت خيارات التعاون الاقتصادي البيني عبر سلسلة من الاجتماعات المشتركة. وفي أواخر 1994، التقى نائب وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، يوسي بيلين، السفير القطري لدى واشنطن، عبد الرحمن بن سعود (آل ثاني)، في وقت كانت بلاده فيه تشارك بالمحادثات المتعددة الأطراف التي أعقبت «مدريد». وفقاً لبيلين، أكد عبد الرحمن أن الإمارة «ستكون سعيدة بالتعاون والمساعدة في العملية السياسية»، لكن اللقاء وما أعقبه أظهر أن قطر تريد أولاً تقدماً على المسار الفلسطيني ــــ الإسرائيلي كي تتمكن من تطوير علاقاتها بإسرائيل.
في تلك المرحلة، شارك أمير قطر، حمد بن خليفة، في «أوسلو 2»، لتقام علاقات تجارية مع إسرائيل مع اعتراف بحكم الواقع بوجودها. كما شارك ممثل عن حكومة قطر في جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين. في تلك السنة أيضاً، افتتح مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي في الدوحة، ما جعل الأخيرة العاصمة الخليجية الوحيدة التي سمحت بحضور مسؤول إسرائيلي دائم في أراضيها. ووفق إيلي أفيدار، الذي رأس البعثة الإسرائيلية من 1999 إلى 2001، عملت البعثة بوصفها سفارة، حتى وإن لم يُسمح لها برفع العلم الإسرائيلي أو وضع لافتة عند مدخل مبناها. التطور الأبرز كان في 1996 عندما وصل شمعون بيريز إلى قطر بصفته نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، في زيارة رسمية، فمنذ ذلك الوقت، تعاقبت زيارات كبار المسؤولين الإسرائيليين ومن بينهم وزيرة الخارجية تسيبي ليفني عام 2008. لكن في الاختبار العملي، لم يؤدّ وجود الممثلية «التجارية» إلى انفراج طال انتظاره بين الجانبين، فإلى جانب الوجود الإسرائيلي الرسمي، أدارت قطر «الكتف البارد» لإسرائيل ورفضت محاولات مباشرة لتعميق العلاقات، إذ إنها، وفق الورقة البحثية، روجت لـ«خط مستقل مع إسرائيل قياساً بجيرانها، لكنها فعلت ذلك بخطوات محسوبة جداً مع تجنبها ألّا تفرط في تحدي النظرة التقليدية للعالم العربي في ذلك الوقت تجاه إسرائيل».
مع هذا، بقيت العلاقات من 1991 حتى 2009 مهمة من منظور إسرائيل إلى حد كبير، لأنها مثلت «علامة فارقة» في علاقات إسرائيل بالدول العربية والإسلامية التي لا تربطها اتفاقات رسمية بها. ووفق نائب المدير العام لوزارة الخارجية، يعقوب هداس، كان الهدف «كسر حلقة العداء والمقاطعة لإسرائيل، وبهذه الطريقة نزع أهم سلاح بأيدي الفلسطينيين». ولاحقاً، منذ 2014، إضافة إلى الزيارات والوفود والفرق الرياضية، تدير إسرائيل وقطر محادثات متكررة مع التركيز على غزة، إذ «نجح السفير محمد العمادي في اختبار الواقع، ومنع مراراً جولات قتالية بين إسرائيل وحماس». لكن من المفارقات أن «الكارثة الإنسانية في غزة خلقت منصة فريدة من نوعها لتبادل المصالح بين الدوحة وتل أبيب على حساب التنافسات البينية السابقة، الأمر الذي وفر فرصة نادرة لإعادة النظر في علاقتهما»؛ صار دور قطر مزدوجاً في القطاع باعتباره العمود الفقري للاقتصاد هناك، واللاعب الرئيسي في التوسط للهدنة، ما جعلها «شريكاً استراتيجياً للقيادة الإسرائيلية في هذه القضية المعقدة». وبرغم أن رئيس حكومة العدو المستقيلة، بنيامين نتنياهو، تعرض لانتقادات شديدة في إسرائيل لدعمه تحويل الحقائب النقدية إلى غزة، فحتى الآن هذا النقد لم يخرب العملية وينهيها، بل يبدو أن صناع القرار في إسرائيل مستعدون للتعامل مع الضغوط العامة من أجل تجنب الحرب المقبلة». ووفق وزير التعاون الإقليمي السابق، تساحي هنغبي، «إذا كان ذلك مفيداً لمنع التصعيد، فلا مشكلة في تقديم المساعدات إلى غزة حتى إن كانت دولة ميكرونيزيا». وفي قطر، يؤكدون أنه لولا «السماح» الإسرائيلي، لما وصلت أموالهم إلى هناك.
 
آفاق العلاقة
تعرض الورقة نفسها الإمكانات المتاحة لهذه العلاقات وتطورها على هذا النحو:
1. المجال السياسي
حتى لو كانت هناك رغبة إسرائيلية في التعاون مع قطر على المستوى السياسي، فإن هذه الدولة لا تملك روافع فعلية لخلق تأثير حقيقي في القوى الإقليمية، وخاصة مع مقاطعة عدد من الدول العربية لها. ورغم أن حقائب المال أثبتت فعاليتها في الحد من التصعيد، فإن مصر والسعودية كانتا ولا تزالان اللاعبين الرئيسيين عندما يتعلق الأمر بإنجاز سياسي في الصراع الإسرائيلي ــــ الفلسطيني. هذا يعني أن تأثير قطر سيكون محدوداً، ومن المشكوك فيه استخدام خدماتها الدبلوماسية، إزاء قضايا أخرى لا ترتبط مباشرة بغزة.
2. المجال الاقتصادي
لدى قطر وإسرائيل مصلحة مشتركة في تطوير علاقاتهما الاقتصادية حتى في ظل القيود القائمة، وخاصة أن البلدين يتقاسمان تحديات مشتركة في المناخ وندرة المياه. وتقدم الشركات الإسرائيلية حلولاً لتنقية مياه الصرف واستخدام المياه النقية لأغراض الزراعة ومياه الشرب، والحد من تبخر المياه بعد التحلية. إضافة إلى ذلك يمكن للتطور التكنولوجي الإسرائيلي في مجال الزراعة الصحراوية أن يساعد كثيراً الجهود القطرية لتطوير المنتجات الزراعية المحلية، وخاصة في ضوء الجهود الكبيرة التي تبذلها للحد من الواردات الغذائية من الدول الأخرى. هناك أيضاً تقنيات إسرائيلية في مجال الطاقة البديلة يمكن أن تكون ذات صلة بالسوق القطري، كما تستعد الدوحة لاستضافة كأس العالم عام 2022 وهو أمر يكشف اهتماماً كبيراً بالحلول الشاملة التي تقدمها الشركات الإسرائيلية المتخصصة في «المدن الذكية». ومن المنظور الإسرائيلي، التعاون الاقتصادي ضروري على مستويين رئيسيين: الأول أن قطر قوة نفطية، وللصناعات المتنوعة في إسرائيل وخاصة البلاستيك مصلحة في تطوير العلاقات معها، والثاني أن الإمارة تنفق مبالغ ضخمة على تطوير الصناعة والتكنولوجيا المتطورة، ويمكن لمواردها أن تساعد عبر التعاون البيني في نمو الشركات الإسرائيلية، وخاصة الناشئة.
3. المجال المدني
رغم أن لغة وحدّة العداء تجاه إسرائيل خفّتا في قناة «الجزيرة» في السنوات الأخيرة، فإن ذلك لا يعني تغييراً مهماً في الموقف المهيمن من إسرائيل على مستوى القاعدة المدنية في قطر. كذلك من الجانب الإسرائيلي، يتعذر تقدير أي تغيير، ربطاً بنقص المعرفة بماهية أنشطة قطر في غزة وكونها لا تكاد تُذكر في الخطاب الإسرائيلي، باستثناء إشارات تتعلق بأنها دولة إرهابية أو بتحويل الأموال إلى «حماس».
 
... إلى أين؟
إن استمرت المقاطعة الخليجية لقطر، ستجد إسرائيل صعوبة في المحافظة على العلاقات الحالية، رغم أنها إلى الآن نجحت في المناورة بين الأطراف المتخاصمة، لكن ليس من المستحيل أن تصل إلى مرحلة تكون فيها إمارات الخليج ومصر أقل تسامحاً تجاه العلاقة المعززة مع الدوحة. وفي ضوء الأهمية الاستراتيجية للرياض والقاهرة بالنسبة إلى إسرائيل، يمكن لذلك أن يلقي ظلاً ثقيلاً على الثورة الهادئة في العلاقات الأولى، وخاصة أن تل أبيب غير معنية بدفع علاقاتها قدماً في مسار يخالف غالبية العالم العربي، الأمر الذي يعني أن التعاون سيبقى مركزاً على غزة.
في الخلاصة، الطريق طويل وصولاً إلى الاعتراف والعلاقات الكاملة بين إسرائيل وقطر، لكن ذلك لا يلغي أن هناك تغييرات بين الجانبين، وخاصة أن نظرة الدوحة إلى تل أبيب تحولت من عدو إلى طرفين موجودين في جانب واحد من المتراس، بل إلى شراكة استراتيجية في بلورة الساحة الغزية. ولا يعني ذلك أن قطر تنصّلت من علاقاتها التاريخية مع أعداء إسرائيل، لكن نظرتها إلى القضية الفلسطينية لم تعد مبنية على معادلة إسرائيل المعتدية والضحية الفلسطينية، بل على الاعتراف بمسؤولية الأطراف المتبادلة. وفي ما يتعلق بصناع القرار في تل أبيب، المقدر هو أن يتواصل الموقف الحذر للسنوات المقبلة جراء الأسباب المذكورة في ه‍ذه الورقة. لكن على خلاف الماضي، لا يعيق الحذر العلاقات، وإن كان يؤدي إلى وضع سقوف لها.